روح الصلاة:
وأولا وقبل كل شيء يجب أن ننوه بأن روح الصلاة هي الخشوع والخضوع لله عز وجل فإذا أداها العبد كما ينبغي فقد فاز ونال الثواب.
(( قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) )) [سورة المؤمنون]
أما إذا فقدت الصلاة الإخلاص أصبحت نظاما حركيا لا معنى له،واتصف صاحبها بالرياء في الدنيا، وسكن الدرك الأسفل من النار في الآخرة:
(( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قامواكسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) )) [سورةالنساء]
وجاء في نفس السورة:
(( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) )) [سورة النساء]
2 – حركات الصلاة:وللتعريف نقول إن الحركات البدنية أثناء الصلاة تخضع لنظام رياضي خاص هو(( تقليص العضلات وتوازنها الذاتي )) حيث تنقبض العضلات إراديا بقوة وصبر ثم تنبسط بذات الطريقة بصفة متكررة وهذه الحركات البدنية تتمشى تماما مع متطلبات المجهود الرياضي الصحي بدون حدوث إجهاد وبدون حدوث إصابات، بطرق سهلة لا جلبة فيها ولا ضوضاء، وبحيث تظهر فعاليتهاعلى كفاءة القلب ونشاط الدورة الدموية إيجابيا، فالأطباء ينصحون بالانتظام في ممارسة أنواع خفيفة من الرياضة بصفة مستمرة منتظمة تمتد فترة ممارستها إلى حوالي نصف الساعة تتقدمها فترة للتحمية ثم تعقبها فترة أخرى للتبريد، وتكرر هذه الممارسة ( 3 – 4 ) مرات أسبوعيا على الأقل ولا تتجاوز فيها الطاقة ( 80 % ) من مخزون الأوكسجين الأقصى منعا للإجهاد.
وسوف نستعرض الحركات البدنية في الصلاة من أول التكبير إلى التسليم لنجد في النهاية أن ما ينشده الجسم من صحة وعافية توفره له الصلاة بدون عناء.
وسنرى كيف أن جميع عضلات الجسم وعظامه ومفاصله تشترك في هذالأداء وقد سعت من بيوتها تلبي النداء وتعمر بيوت الرحمن بالذكروالدعاء.
1 – التكبيرة:تمرن فيها عضلات الأطراف العليا وخاصة العضلات الباسطة للأصابع وتقلص العضلات الدالية وشبه المنحرفة وعضلات زنار الكتف الأخرى.
2 – الوقوف:تسترخي عضلات الجسم كلها ما عدا اليد اليمنى حيث تنقبض على اليداليسرى، وضع اليد اليمنى على اليسرى يمنع ركود الدم الوريدي بالأوردة التابعةلأطراف العليا منعا لتخثر الدم بها.
3 – الركوع:تقلص عضلات جدار البطن وعضلات الحوض والعضلة القابضة الفخذية عضلات الكتفين واليدين والرقبة والعضدين بكل عضلاته القابضة والباسطة. ويفيد هذا الوضع مع السجود في إحداث الزفير القسري.
4 – القيام من الركوع:تقلص عضلات الظهر والعمود الفقري والإليتين والعضلات الباسطةالفخذية والكتلة العضلية الظهرية العجزية وعضلات الرقبة الباسطة.
عن أبي مسعودالبدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود )).قال المنذري: رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.
وفي هذا الحديث تأكيدا على أهمية الخشوع والطمأنينة وإتمام الركوع والسجود في الصلاة.
5 – أثناءالسجود:تقلص العضلات الباسطة بالرقبة أثناء الانخفاض والارتفاع بالرأس بينما تتقلص العضلات القابضة بالرقبة أثناء ثبوت الجبهة على الأرض، وأثناء وضع السجود تنبسط أصابع القدمين انبساطا كاملا ملامسة الأرض بكل ما يعنيه البسط، وأثناءذلك تنقبض جميع العضلات الباسطة من الجهة الأمامية من الساقين، وكذلك القدمين وتسترخي العضلات القابضة باطن الساق ( الربلة ) ويمنع هذا الوضع ركود الدم بأوردةالساقين مما يحول دون تخثر الدم مع تنشيط الدورة الدموية.
6 – التسليم: مع الالتفات يمينا ويسارا بالرقبة يتم تدليك الأوعية الدموية للعنق نتيجة انقباض عضلات الجهة ناحية الالتفات وانبساط عضلات الجهة المضادة. ويساعد ذلك على مرونة فقرات العنق كما أن تكرار السجودوالركوع يساعد على تنشيط الدورة الدموية بالعنق.
3 – الفوائد الصحية للصلاة:وآن نصنف الفوائد التي تعود على الجسم من هذه الحركات البدنية المنتظمة فيتبين أن للصلاة فوائد صحية متعددة نذكرمنها:
1 – مرونة عضلات ومفاصل الجسمالمختلفة:وقد وجد أن المصلين تندر بينهم أمراض العمود الفقري مثل اللمباجوعرق النسا وكذلك تندر بينهم التهابات المفاصل وتيبس المفاصل ومرض النقرس. وهذه النعمة العظيمة تدوم للمؤمنين يوم القيامة يوم الكرب العظيم فلا يجدون مشقة في السجود خضوعا وخشوعا لله سبحانه وتعالى يوم يدعون للسجود، بينما تتيبس أصلاب وظهورالمنافقين والكافرين فلا يستطيعون السجود:
(( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ( 42 ) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوايدعون إلى السجود وهم سالمون ( 43 ) )) [سورة القلم]
وعن رسول الله صلىالله عليه وسلم:
(( يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا )) [رواه البخاري]
2 – تنشيط الدورةالدموية بالأوردة المحيطية أ ) وضع اليد اليمنى على اليسرى: يمنع ركودالدم بالأطراف العليا ويحول دون تخثره بالأوردة، كما أن حركة التكبيرة هي بمثابةجرعة تنشيط للدورة الدموية بالأطراف من آن لآخر.
( ب ) أثناء السجود: انبساط عضلات الربلة وانقباض عضلات السا ق الأمامية تعمل على تدليك الأوعية الدموية وتنشيط الدورة الدموية بالساقين وتندر بذلك نسبة حدوث الدوالي وجلطات الأوردة العميقة بالساقين.
( ج ) يفيد السجود: في إزالة الاحتقان الدموي عند منطقة الحوض والعجان، ولهذا تقل نسبة حدوث البواسير والنزيف الرحمي.
3 – تنشيط الدورة الدموية المركزية:أثناء السجود كذلك الركوع ومع انقباض عضلات جدار البطن مع الضغط من الأحشاء يرتفع الحجاب الحاجز ويدفع الهواء أثناء الزفير قسرا وخاصة أنه أثناء السجود والركوع يكون التسبيح بصوت مهموس مما يؤدي إلى حدوث الزفير القسري أو الجبري. ويتولد عن هذا الزفير زيادة الضغط السلبي في تجويف الصدر مما يدفع بالدم الوريدي القادم من أطراف الجسم والمخ بسرعةإلى الأذين الأيمن ومنه إلى البطين الأيمن ويزداد بذلك إنتاج القلب.
4 – تنشيط الدورة الدموية بالعنق:مع انخفاض وارتفاع الرأس أثناء الركوع والسجود الذي يتكرر ( 6 ) مرات بكل ركعة مع الالتفات يميناويسارا عند التسليم تضمن هذه الحركات لفقرات العنق مرونة فائقة وتكون بمثابة حركة تدليك للأوعية الدموية مما يدفع بالدم إلى المخ ولهذا تندر بين المصلين أعراض التيهأو الخرف الشيخي. وهكذا فمع كل ركعة يزداد سريان الدم دفقة وتزداد ضربات القلب خفقة.
5 – انشراح الصدر:ومع حدوث الزفيرالجبري تتخلص الرئتين من الهواء المحبوس المشبع بثاني أوكسيد الكربون ليحل محله هواء جديد مشبع بالأوكسجين مما يبعث على الحركة والنشاط. كما أن إفرازات الجهازالتنفسي المتراكمة في القصيبات الهوائية والقصبات والرغامى يسهل التخلص منها ممايزيد من انشراح الصدر عند التنفس مع المحافظة على مرونة الرئتين وتقوية عضلات التنفس وخاصة الاحتياطية.
وبعد فهذه كانت بإيجاز نبذة عما تحدثه الصلاة من بالغ الأثر من صفاء النفس وصحة البدن وعسى أن نوجز كل ما سبق في كلمتين اعتاد الرسول صلىالله عليه وسلم أن يكني بهما عن بالغ الأثر للصلاة فكان يخاطب بلال إذا أقام الصلاة فيقول: (( أقم الصلاة، أرحنا بها يا بلال ))وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة عملا بقوله تعالى:
(( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ( 97 ) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ( 98 ) )) [سورة الحجر]
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( جعلت قرة عيني في الصلاة ))
ولتكن الصلاة لنا صدقة نزكي بها عظامنا.
(( كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلىالصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة )) [رواه الشيخان]
وليكن دعاء سيدنا إبراهيم مجابا دائما وأبدا بإذنه تعالى:
(( رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل الدعاء ( 40) )) [سورةإبراهيم
[/frame]