بسم الله الرحمن الرحيم
تروعنا الجنائز مقبلات******** ونلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلة لمغار ذئب ******** فلما غاب عادت راتعات
عشت مرحلتي الدراسية الأولى مع والدي..
في بيئة صالحة اسمع دعاء أمي وأنا عائد من سهري آخر الليل.
اسمع أبي في صلاته الطويلة..طالما كنت أقف متعجبا من طولها..خاصة عندما يحلو النوم أيام الشتاء البارد..
أتعجب في نفسي وأقول..ما أصبره..كل يوم هكذا..شيء عجيب.
لم أكن أعرف أن هذه راحة المؤمن وأن هذه هي صلاة الأخيار..يهبون من فرشهم لمناجاة الله..
بعد المرحلة التي قطعتها في دراستي العسكرية..ها قد كبرت و كبر معي بعدي عن الله..
على الرغم من النصائح التي اسمعها و تطرق مسامعي بين الحين والآخر..
عُينت بعد تخرجي في مدينة غير مدينتي و تبعد عنها مسافة بعيدة..ولكن معرفتي الأولى بزملائي في العمل خففت ألم الغربة على نفسي..
انقطع عن مسامعي صوت القرآن..انقطع صوت أمي التي توقظني للصلاة وتحثني عليها..أصبحت أعيش وحيدا..بعيدا عن الجو الأسري الذي عشته من قبل..
تم توجيهي للعمل في مراقبة الطرق السريعة..وأطراف المدينة للمحافظة على المن و مراقبة الطرق و مساعدة المحتاجين..أِؤدي عملي بجد و إخلاص..ولكني عشت مرحلة متلاطمة الأمواج..
تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه..لكثرة فراغي..وقلة معارفي.
وبدأت أشعر بالملل..لم أجد من يعينني على ديني..بل العكس هو الصحيح..من المشاهد المتكررة في حياتي العملية.
ولكن كان يوما مميزا ..
في أثناء عملنا توقفت أنا وزميلي على جانب الطريق..نتجاذب أطراف الحديث.
فجأة سمعنا ارتطام قوي..
أدرنا أبصرانا..فإذا بها سيارة مرتطمة بسيارة أخرى كانت قادمة من الاتجاه المقابل..
هببنا مسرعين لمكان الحادث لإنقاذ المصابين..
حادث لا يكاد يوصف..شخصان في السيارة في حالة خطيرة..أخرجناهما من السيارة..ووضعناهما ممدين..
أسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية..الذي وجدناه فارق الحياة ..عدنا للشخصين فإذا هما في حال الاحتضار..
هبَ زميلي يلقنهما الشهادة..
قولوا لا إله إلا الله..لا إله إلا الله
لكن ألسنتهما ارتفعت بالغناء..أرهبني الموقف..وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت..أخذ يعيد عليهما الشهادة..وقفت منصتا..لم أحرك ساكنا شاخص العينين أنظر..لم أر في حياتي موقفا كهذا..بل قل لم أر الموت من قبل وبهذه الصورة..أخذ زميلي يردد عليهما كلمة الشهادة..وهما مستمران في الغناء..
لا فائدة..بدأ الغناء يخفت..شيئا فشيئا..سكت الأول وتبعه الثاني..لا حراك.
فارقا الدنيا
حملناهما إلى السيارة..وزميلي مطرق لا ينبس ببنت شفة..سرنا مسافة قطعها الصمت المطبق..
قطع هذا الصمت صوت زميلي فذكر لي حال الموت و سوء الخاتمة..وإن الإنسان يختم له إما بخير أو شر..وهذا الختام دلالة لما كان يعمله في الدنيا غالبا..و ذكر لي القصص الكثيرة التي رويت في الكتب الإسلامية..وكيف يختم للمرء على ما كان عليه بحسب ظاهره وباطنه..
قطعنا الطريق إلى المستشفى في الحديث عن الموت والموات..وتكتمل الصورة عندما أتذكر أننا نحمل أمواتا بجوارنا.
خفت من الموت واتعظت من الحادثة..وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة..
ولكن نسيت هذا الموقف بالتدريج..
بدأت أعود إلى ما كنت عليه..و كأني لم أشاهد الرجلين وما كان منهما..ولكن للحقيقة أصبحت لا أحب الأغاني..
ولا أتلهف عليها كسابق عهدي..ولعل ذلك مرتبط بسماعي لغناء الرجلين حال احتضارهما..
من عجائب الأيام..
بعد مدة تزيد على ستة أشهر..حصل حادث عجيب..شخص يسير بسيارته عاديا..وتعطلت سيارته في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة..ترجل من سيارته لكي ينزل العجلة السليمة..
جاءت سيارة مسرعة..وارتطمت به من الخلف..سقط مصابا إصابات بالغة..
حضرت أنا وزميلي آخر غير الأول..وحملناه معنا في السيارة وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله..
شاب في مقتبل العمر..متدين يبدو ذلك من مظهره..
عندما حملناه سمعناه يهمهم..ولعجلتنا في سرعة حمله لم نميز..
ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا سمعنا صوتا مميزا..
إنه يقرأ القرآن..و بصوت ندي..سبحان الله لا تقول هذا مصاب..
الدم قد غطى ثيابه..وتكسرت عظامه..بل هو على ما يبدو على مشارف الموت..
استمر يقرأ بصوت جميل..يرتل القرآن..
لم أسمع في حياتي مثل تلك القراءة ..كنت أحدث نفسي و أقول سألقنه الشهادة مثل ما فعل زميلي الأول..خاصة وأن لي سابق خبرة كما أدعي..أنصت انا وزميلي لسماع ذلك الصوت الرخيم..
أحسست أن رعشة سرت في جسدي..وبين أضلعي..
فجأة..سكت ذّلك الصوت ..التفت إلى الخلف..فإذا به رافع أصبع السبابة يتشهد..
ثم انحنى رأسه..
قفزت على الخلف..لمست يده..قلبه..أنفاسه. لاشيء.
فارق الحياة
نظرت إليه طويلا..سقطت دمعي من عيني..أخفيتها عن زميلي..التفت إليه وأخبرته أن الرجل قد مات..انطلق في البكاء..أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف..أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثرا.
وصلنا المستشفى..
أخبرنا كل من قابلنا عن قصة الرجل..الكثير تأثروا من حادثة موته وذرفت دموعهم..أحدهم بعدما سمع قصة الرجل ذهب و قبل جبينه..الجميع أصروا على عدم الذهاب حتى يعرفوا متى يصلى عليه ليتمكنوا من الصلاة عليه.
اتصل أحد الموظفين في المستشفى بمنزل المتوفى..كان المتحدث أخوه..قال عنه..أنه يذهب كل اثنين لزيارة جدته الوحيدة في القرية..كان يتفقد الأرامل و الأيتام ..والمساكين..كانت تلك القرية تعرفه فهو يحضر لهم الكتب والأشرطة الدينية..وكان يذهب وسيارته مملوءة بالأرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين..وحتى حلوى الأطفال لا ينساها ليفرحهم بها..وكان يرد على من يثنيه عن السفر و يذكر له طول الطريق..إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته..وسماع الأشرطة والمحاضرات الدينية..وأنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها..
من الغد..غص المسجد بالمصلين..صليت عليه مع جموع المسلمين الكثيرة..وبعد أن انتهينا من الصلاة حملناه إلى المقبرة..أدخلناه في تلك الحفرة الضيقة..
*وجهوا وجهه للقبلة..
بسم الله وعلى ملة رسول الله..
بدأنا نهيل عليه التراب.
اسألوا لأخيكم التثبيت فإنه يُسأل..
استقبل أول أيام الآخرة..وكأنني استقبلت أول أيام الدنيا..
تبت مما عملت عسى الله أن يعفو عما سلف وأن يثبتني على طاعته وأن يختم لي بخير..وأن يجعل قبري وقبر كل مسلم روضة من رياض الجنة..
من كتاب الزمن القادم
لعبد الملك القاسم
رجاءً وليس أمراً أرسلها لمن تحب ومن لا تحب
لعل الله يهدي بها وتكون سببا في ذلك وتنال أجرها
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
psk H, s,x hgohjlm "gh dt,j;"