![]() |
الحب في الصناديق [frame="15 80"] في الليلة التالية بعد الحادثة اخترق طيفه حجب وحدتي ، أضاء أسداف عزلتي ، أهل يتهادى الهوينا ، ثم دنا حتى أكاد أمسك باليد منه الهيدب ، وبث في مسمعي : [/frame]" مساء كل خميس كنت أزورها في بيت والديها محملا بالشوق ، أصعد سلم العمارة خفيفا كأني أرتقي إلى السموات العلا ، أتطهر من درن الدنيا . تستقبلني كعادتها ببسمتها الهادئة ، بتسريحتها الفاتنة ، بدفء عينيها اللتين أحسهما تهمسان لي أنها معي اليوم وغدا ، صيفا و شتاء . كان الخميس مقدسا عندها ، تفرغه وتتفرغ لي متجملة بالبساطة و الحب ، ندخل الصالون حيث صينية القهوة معدة سلفا ، تجالسنا أمها قليلا ثم تنسحب . نخلو إلى بعضنا في غير سفه ، نكبح جماح خيولنا ، نسبح في مدار الأشواق ، نحلق بعيدا حيث ينتفي المكان ، هناك في الذرى أحسنا واحدا ، سرمدا ، جوهرا . لم يكن هذا خطلا ، بل إيماننا الذي نواجه به قسوة الواقع الذي لم يكن يهادننا ، ست سنوات مشيناها مثقلة بالصبر و الضنى ، ولولا ثباتها لكنا افترقنا في سنتنا الثانية ، إذ تقدم إليها عريس جاهز بمتجره و سيارته و شقته . و حدثني أبوها ملمحا إلى وجوب انفصالنا في هدوء إذا بقيت مسألة السكن عالقة حفاظا على مصلحة ابنته . لم يكن لي ما أجيبه به إلا وعد بالسكن ، إذ أطلعته على دفتري للتوفير و الاحتياط حيث أضع مبلغا هوكل ما استطعته توفيره ، وأنتظر دوري في السكن صابرا. وأفرخ الصبر أعواما شائهة ، فما يقبل عام إلا وفي يده صخرة يدحرجها في طريقنا ، فمذ شهور زار مؤسستنا صندوق النقد الدولي ودعاها إلى التخفف من بعض عمالها ، و اضطربت الإشاعة بأسماء أنا ضمنها . والصندوق الوطني للتوفير و السكن لم يكن عند وعده ، مرت سنة خامسة و السكن مايزال حلما بعيدا . وأجدني بين صندوقين : أحدهما وطني لا يفي بوعده ، والآخر دولي لا يخلف وعيده .وأنا أشكو لها قهر الأيام فتمسح عني تعبي و تصر أن حبنا أكبر. ===== ذاك المساء كانت في أتم بهائها ، تزينت بثوبها الأزرق ، نشرت عطرها ، نثرت شعرها و سكبت القهوة ، وأنا أقترب محملا بالحب و الصمت ، أقف على حافة نهر الكلام المنساب ، والكلمات تتساقط في في بستان الحب كأوراق الخريف ، وأنا أرتقي خفيفا سابحا في الأثير مخلفا ورائي مرارة الأيام . فجأة اهتز السقف فوقنا ، ثم في السلم كأن صخورا تتدحرج عليه ، حدث كل شيء في فوضى ، وتبين من صياح النساء و الأطفال أن مسلحين يستولون على الطابق بعدما اكتشف أمرهم . كان الصالون في أقصى الشقة ، و المناورة الوحيدة المتاحة قبل أن يحكموا قبضتهم على المكان هي التسرب إلى المرحاض المنزوي وراء الحمام مع عطفة الرواق . انحشرنا فيه ، وقفنا وجها لوجه ، رأيت هلعي يرتسم في وجهها الشاحب . وكانت هجرة أخرى ، صاحت في ذعر مكتوم : - أمي و إخوتي . كنت في شغل أبحث عن مخرج ، تسلقت حوض المرحاض إلى الطاق في أعلى الجدار ، رأيت قوات الأمن تحاصر العمارة ، والخلاص يستحيل بلا عون من الخارج . عدت إليها ، وفي بيقة الغرف لغط و فوضى ، ركض و قرقعة أسلحة ، واتخاذ مواقع . همست : - سيتخذوننا رهائن ويقتلون أمي و إخوتي . حاذيتها جاعلا مثلها ظهري إلى الجدار ، وكفها باردة تشد على كفي ، وفي الأسفل ينبعث صوت فخم من مكبر الصوت يطالبهم بإلقاء السلاح وتسليم أنفسهم . ويعقب ذلك صمت ، ثم يقطعه صوت جهوري : - سنقتل الرهائن إن حاولتم الإقتحام . أحسست يدها تعرق في يدي وهي تتلتصق بالجدار كأنما تريد الاختفاء فيه . مددت عنقي نحو الطاق ثم أسرعت أسحبه ، خشيت أن يخطئ في قناص ما فوق السطوح . وجدتني فأرا محاصرا ورأسي يدور كالخذروف ، أنى لنا الخروج ؟ نحن في الطابق الخامس ، والطاق ضيق لا يسمح بالنفاذ منه إلا انسلاتا ثم انفلاتا على الهاوية . أتراها تكون النهاية ؟ هل ستعبث بنا الأقدار فتجعل نهاية حبنا في مرحاض ؟ !!! و نظرت إليها ، وجدتها ما تزال تلتصق بالجدار تريد أن تنمحي فيه ، تعض على شفتها ، تحاول ربط جأشها . فجأة دفقات رصاص منهمر يقطع الصمت فتتداعى علي ، أحضنها بين ذراعي فتهمس في حسرة: - لقد شرعوا في اقتحام العمارة . وتسكت ، يعني القضاء على الرهائن ، وعلينا إن اكتشفونا . كنت أكبر فيها صمتها حين يكون أفصح من النطق ، على خلافي أنا الذي أرسل الكلام من غير ضبط . قلت لها : - لا تخافي إن الله معنا ، كان حبنا طاهرا ثم اتضح لي أنه ما كان ينبغي لي ذكر الله في تلك البقعة ، وانتبهت إلى أن شعرها يغطي وجهي ، ونهدها يضغط على صدري ، يخفق في قلبي ، وقفة لم نكن لنقفها من قبل . كنا عذريين ، وكنا ساذجين قليلا ، ونحن الآن مرتبكان نفتقد ورقة توت . همد الرصاص ، تنحت عني و عادت تلتصق بالجدار ، وانحنيت على ثقب المفتاح ، لم أتبن شيئا ، عدت إلى الطاق . يجب أن أشعرهم في الخارج بمكاننا . مزقت طرقا من قميصي ، اتخذته علما و لوحت به ، ثم أخرجت رأسي . رأيتهم يخلون الطوابق السفلى من سكانها و يسوقونهم بعيدا . ورأيت أحدهم يشير لي بأن ألزم مكاني ريثما يبعثون من يخلصني . و أشرت له بأننا اثنان ، ولم أتيقن إن فهم عني ، فقد رفعت أصبعي مفرجا بينهما ، ثم شككت أن قد يفهمها شارة انتصار ولم يمهلني الرصاص لأصحح الإشارة فأسرعت انسحب برأسي إلى الداخل . ألفيتها انزلقت متداعية مع الجدار و قد انحسر ثوبها عن فخذها ، و معه انحسر التحفظ . -فاطمة ، إنهم قادمون لإنقاذنا عبر الطاق . كانت في ذهول ، ورأيت عينيها ترسوان صامتتين على بطني حيث قميصي ممزق ، وسرتي تلوح مقعرة مقززة . والاعوام لم تعد قرودا تدحرج الصخور في طريقنا فحسب ، بل صارت ترجمنا بالرصاص، رصاص سرطاني ينهش أيامنا . تداعيت إلى جوارها ، رأسي إلى رأسها ، كفي في كفها . ناديتها فلم تجب ، وددت لو تأخذها غيبوبة عميقة فلا تشهد خوري ، إذ أحسستني أتحول جرذا ضخما في بالوعة قذرة ، وأن ما كان بيننا من قداسة قد إبتذلها الموقف ، وها نحن نغرق في الخوف والدنس عاريين من أحلامنا ، من حقوقنا ، من إحترامنا . ومتجرد أنا إلا من غريزة البقاء تحركني كفأر محاصر . سكن الرصاص ، وبلغنا تحاور بعضهم من جهة الصالون : - هل نرمي لهم بجثة أخرى حتى نكسب مزيدا من الوقت ؟ -لا يا أحمق ، لا تبذر الرهائن . -لقد قطعوا الغاز و الكهرباء . -وهل تحسب نفسك في بيت خالتك ؟ وأعقب ذلك ضحكة مستهترة ، ثم صمت فظيع أخافني أكثر من الرصاص إذ خشيت أن ينشد انتباههم إلى المرحاض ، فتمنيت أن تمطر رصاصا . واهتز السقف فوقنا بحركة أقدام قوية ، فتصايحوا -إلى النوافذ ، إنهم يحتلون الطابق الأعلى . -نرمي لهم بجثة أخرى. تلفتت إليها أستطلع إن كانت سمعت ما سمعت ، وجدتها ساهمة كأنها تجاوزت هلع الاحساس بالخطر إلى راحة التسليم بالموت ، وفي عينيها رثاء و حسرة . - جاء الفرج يا فاطمة إنهم فوقنا . وعلى غير العادة دوى انفجار زعزع الأركان و ضمنا فشد بعضنا بعضنا ، و توسلت : -دعنا نمت متعانقين و نلقى الله بقلوب عاشقة . استسلمت قليلا لنعومة ذراعيها تحوطان عنقي ، لعطر جسدها ، لوشوشة أنفاسها ، لعذوبة كلامها ، لو قالته في غير هذا الموقف لكنت جننت فرحا ، إذ كان حياؤها يمنعها من الاسترسال في الإفصاح عن عواطفها نحوي .لكن وا أسفاه تقوله الآن و الموت أقرب ما يكون . لكن ، لا ، يجب أن نعيش ، نحن لم نعش بعد ، نحن ما كنا مفسدين في هذا البلد ، وما طلبنا إلا سكنا يأوينا نعمره بالحب ، والصندوق الوطني تأخر ، وهم يريدون لنا أن ننتهي في مرحاض !!! ووجدت نفسي في غمرة انفعالي أعاود تسلق الحوض إلى الطاق و أخرج طرف قميصي ثم رأسي ، وسمعت أحدهم يصفر لي من فوق ، ثم رأيته يشير لي بأنه سيبعث بالحبل لأشد به ما تحت إبطي ، وأنا أجتهد أن أفهمه بالإشارة أني لست وحدي متفاديا أشارة الانتصار ، وأن التي معي تحتاج إلى مساعدة . وعدت إليها أزف البشرى ، وقد غمرني شعور من فك من عزلة مئة عام . - سنخرج من الطاق ، سنعيش ، لقد جاؤوا لأنقاذنا. وشع في عينيها وميض . تدلى العسكري في حبله على مستوى الطاق وهمس : -تخرج بذراعيها ثم برأسها . وأنا ألهج : -تشجعي ، الموت حق ، ولكن الحياة حق أيضا ، وحبنا حق ، وهذا الجندي الذي يجازف بحياته من أجلنا حق . الباطل الوحيد هو هذا المرحاض... وجاءني صوتها يستمهلني ريثما يثبت الجندي الحبل في وسطها ، صوت يحمل في خلجاته نسائم الحياة كمبحر تائه لاح له أخيرا بر الأمان . ثم جاءني وابل من الرصاص عنيف . أحسست بأسفلها يرتعش بين ذراعي و ينتفض ثم يهمد ، وأدركت بالغريزة أني صرت أحتضن جثة . أسرعت أسحبها إلى الداخل ، جاء معها الحبل ، وجاء مع الحبل الجندي يتدلى رأسه على صدره مغمورا بالدماء . فككت الحبل ، تداعيت إلى جوارها و أغمضت عيني أنتظر اقتحامهم الباب بعد أن تبينوا مكاننا ، وفي خيالي وجه فاطمة صاف رقراق كما عهدته قبل أن يهشمه الرصاص . انخلع الباب ، سفافيد أحسستها تخترق صدري و بطني ، ثم انفجارات متتالية تنأنى بعيدا ، وفاطمة تنتظرني باسمة على حوض مزهر في حديقة غناء، وهي تمسح تعبي و تقول لي : لاتهن ولا تحزن ، حتى و إن استغنوا عنك في وظيفتك سنتدبر الأمر ، ستسحب نقودك من الصندوق الوطني للتوفير و السكن و نستلف قرضا من البنك الفلاحي و نرحل إلى الجنوب نستصلح قطعة أرض ، سيتفجر حبنا في الجنوب الكبير عيونا و أنهارا ، سيثمر بساتين و أطفالا ، وأنا أصغي إليها و في النفس عتاب للصندوق الوطني ، لماذا تأخرت بالسكن إلى أن انتهى حبنا في مرحاض ؟ كنا سنقنع بغرفة ، بخيمة ، إلا هذا الصندوق الدولي الذي صار يفرخ فينا صناديق ... و رأيت جماعة تحمل صندوقين و تتجه نحونا ، فصحت في فاطمة أجذبها من يدها هاربين : - هاهي الصناديق تلاحقنا تارة أخرى . - أظنهم جاؤوا بها ليحملونا فيها إلى المقبرة . و بينما كانت جماعة تتجه بالصندوقين إلى المقبرة في رتل طويل ، كانت غمامة بيضاء تترتفع بنا ، ونحن نلوح للبلد الذي كنا من أبنائه : يا أيها البلد المفدى لا ترحل في صندوق." ===== وارتفع الطيف مودعا ، و مددت إليه يدي متضرعا : - تمهل قليلا ، لا تدعني لوحشتي ، فالليل ما يزال طويلا... القاص خليفة محفوظ |
[gdwl] شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك اخي برادة على هذه القصة الرائعة تقبل مني اجمل تحية والتقدير[/gdwl] |
[align=center]أشكر مرورك الطيب أخي كزاوي تحياتي[/align] |
رد: الحب في الصناديق شكرا لك أخي قصيدة في منتهى الروعة |
رد: الحب في الصناديق |
| الساعة الآن 01:18 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي