القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   أجمل وأروع القصص (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   الحب في الصناديق (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=7432)

رشيد برادة 03-31-2008 11:41 PM

الحب في الصناديق
 
[frame="15 80"]
في الليلة التالية بعد الحادثة اخترق طيفه حجب وحدتي ، أضاء أسداف عزلتي ، أهل يتهادى الهوينا ، ثم دنا حتى أكاد أمسك باليد منه الهيدب ، وبث في مسمعي :
" مساء كل خميس كنت أزورها في بيت والديها محملا بالشوق ، أصعد سلم العمارة خفيفا كأني أرتقي إلى السموات العلا ، أتطهر من درن الدنيا .
تستقبلني كعادتها ببسمتها الهادئة ، بتسريحتها الفاتنة ، بدفء عينيها اللتين أحسهما تهمسان لي أنها معي اليوم وغدا ، صيفا و شتاء .
كان الخميس مقدسا عندها ، تفرغه وتتفرغ لي متجملة بالبساطة و الحب ، ندخل الصالون حيث صينية القهوة معدة سلفا ، تجالسنا أمها قليلا ثم تنسحب . نخلو إلى بعضنا في غير سفه ، نكبح جماح خيولنا ، نسبح في مدار الأشواق ، نحلق بعيدا حيث ينتفي المكان ، هناك في الذرى أحسنا واحدا ، سرمدا ، جوهرا .
لم يكن هذا خطلا ، بل إيماننا الذي نواجه به قسوة الواقع الذي لم يكن يهادننا ، ست سنوات مشيناها مثقلة بالصبر و الضنى ، ولولا ثباتها لكنا افترقنا في سنتنا الثانية ، إذ تقدم إليها عريس جاهز بمتجره و سيارته و شقته .
و حدثني أبوها ملمحا إلى وجوب انفصالنا في هدوء إذا بقيت مسألة السكن عالقة حفاظا على مصلحة ابنته .
لم يكن لي ما أجيبه به إلا وعد بالسكن ، إذ أطلعته على دفتري للتوفير و الاحتياط حيث أضع مبلغا هوكل ما استطعته توفيره ، وأنتظر دوري في السكن صابرا.
وأفرخ الصبر أعواما شائهة ، فما يقبل عام إلا وفي يده صخرة يدحرجها في طريقنا ، فمذ شهور زار مؤسستنا صندوق النقد الدولي ودعاها إلى التخفف من بعض عمالها ، و اضطربت الإشاعة بأسماء أنا ضمنها .
والصندوق الوطني للتوفير و السكن لم يكن عند وعده ، مرت سنة خامسة و السكن مايزال حلما بعيدا .
وأجدني بين صندوقين : أحدهما وطني لا يفي بوعده ، والآخر دولي لا يخلف وعيده .وأنا أشكو لها قهر الأيام فتمسح عني تعبي و تصر أن حبنا أكبر.
=====
ذاك المساء كانت في أتم بهائها ، تزينت بثوبها الأزرق ، نشرت عطرها ، نثرت شعرها و سكبت القهوة ، وأنا أقترب محملا بالحب و الصمت ، أقف على حافة نهر الكلام المنساب ، والكلمات تتساقط في في بستان الحب كأوراق الخريف ، وأنا أرتقي خفيفا سابحا في الأثير مخلفا ورائي مرارة الأيام .
فجأة اهتز السقف فوقنا ، ثم في السلم كأن صخورا تتدحرج عليه ، حدث كل شيء في فوضى ، وتبين من صياح النساء و الأطفال أن مسلحين يستولون على الطابق بعدما اكتشف أمرهم .
كان الصالون في أقصى الشقة ، و المناورة الوحيدة المتاحة قبل أن يحكموا قبضتهم على المكان هي التسرب إلى المرحاض المنزوي وراء الحمام مع عطفة الرواق .
انحشرنا فيه ، وقفنا وجها لوجه ، رأيت هلعي يرتسم في وجهها الشاحب .
وكانت هجرة أخرى ، صاحت في ذعر مكتوم :
- أمي و إخوتي .
كنت في شغل أبحث عن مخرج ، تسلقت حوض المرحاض إلى الطاق في أعلى الجدار ، رأيت قوات الأمن تحاصر العمارة ، والخلاص يستحيل بلا عون من الخارج . عدت إليها ، وفي بيقة الغرف لغط و فوضى ، ركض و قرقعة أسلحة ، واتخاذ مواقع .
همست :
- سيتخذوننا رهائن ويقتلون أمي و إخوتي .
حاذيتها جاعلا مثلها ظهري إلى الجدار ، وكفها باردة تشد على كفي ، وفي الأسفل ينبعث صوت فخم من مكبر الصوت يطالبهم بإلقاء السلاح وتسليم أنفسهم . ويعقب ذلك صمت ، ثم يقطعه صوت جهوري :
- سنقتل الرهائن إن حاولتم الإقتحام .
أحسست يدها تعرق في يدي وهي تتلتصق بالجدار كأنما تريد الاختفاء فيه .
مددت عنقي نحو الطاق ثم أسرعت أسحبه ، خشيت أن يخطئ في قناص ما فوق السطوح .
وجدتني فأرا محاصرا ورأسي يدور كالخذروف ، أنى لنا الخروج ؟ نحن في الطابق الخامس ، والطاق ضيق لا يسمح بالنفاذ منه إلا انسلاتا ثم انفلاتا على الهاوية . أتراها تكون النهاية ؟
هل ستعبث بنا الأقدار فتجعل نهاية حبنا في مرحاض ؟ !!!
و نظرت إليها ، وجدتها ما تزال تلتصق بالجدار تريد أن تنمحي فيه ، تعض على شفتها ، تحاول ربط جأشها .
فجأة دفقات رصاص منهمر يقطع الصمت فتتداعى علي ، أحضنها بين ذراعي فتهمس في حسرة:
- لقد شرعوا في اقتحام العمارة .
وتسكت ، يعني القضاء على الرهائن ، وعلينا إن اكتشفونا . كنت أكبر فيها صمتها حين يكون أفصح من النطق ، على خلافي أنا الذي أرسل الكلام من غير ضبط .
قلت لها :
- لا تخافي إن الله معنا ، كان حبنا طاهرا
ثم اتضح لي أنه ما كان ينبغي لي ذكر الله في تلك البقعة ، وانتبهت إلى أن شعرها يغطي وجهي ، ونهدها يضغط على صدري ، يخفق في قلبي ، وقفة لم نكن لنقفها من قبل . كنا عذريين ، وكنا ساذجين قليلا ، ونحن الآن مرتبكان نفتقد ورقة توت .
همد الرصاص ، تنحت عني و عادت تلتصق بالجدار ، وانحنيت على ثقب المفتاح ، لم أتبن شيئا ، عدت إلى الطاق . يجب أن أشعرهم في الخارج بمكاننا .
مزقت طرقا من قميصي ، اتخذته علما و لوحت به ، ثم أخرجت رأسي . رأيتهم يخلون الطوابق السفلى من سكانها و يسوقونهم بعيدا .
ورأيت أحدهم يشير لي بأن ألزم مكاني ريثما يبعثون من يخلصني . و أشرت له بأننا اثنان ، ولم أتيقن إن فهم عني ، فقد رفعت أصبعي مفرجا بينهما ، ثم شككت أن قد يفهمها شارة انتصار ولم يمهلني الرصاص لأصحح الإشارة فأسرعت انسحب برأسي إلى الداخل .
ألفيتها انزلقت متداعية مع الجدار و قد انحسر ثوبها عن فخذها ، و معه انحسر التحفظ .
-فاطمة ، إنهم قادمون لإنقاذنا عبر الطاق .
كانت في ذهول ، ورأيت عينيها ترسوان صامتتين على بطني حيث قميصي ممزق ، وسرتي تلوح مقعرة مقززة . والاعوام لم تعد قرودا تدحرج الصخور في طريقنا فحسب ، بل صارت ترجمنا بالرصاص، رصاص سرطاني ينهش أيامنا .
تداعيت إلى جوارها ، رأسي إلى رأسها ، كفي في كفها . ناديتها فلم تجب ، وددت لو تأخذها غيبوبة عميقة فلا تشهد خوري ، إذ أحسستني أتحول جرذا ضخما في بالوعة قذرة ، وأن ما كان بيننا من قداسة قد إبتذلها الموقف ، وها نحن نغرق في الخوف والدنس عاريين من أحلامنا ، من حقوقنا ، من إحترامنا . ومتجرد أنا إلا من غريزة البقاء تحركني كفأر محاصر .
سكن الرصاص ، وبلغنا تحاور بعضهم من جهة الصالون :
- هل نرمي لهم بجثة أخرى حتى نكسب مزيدا من الوقت ؟
-لا يا أحمق ، لا تبذر الرهائن .
-لقد قطعوا الغاز و الكهرباء .
-وهل تحسب نفسك في بيت خالتك ؟
وأعقب ذلك ضحكة مستهترة ، ثم صمت فظيع أخافني أكثر من الرصاص إذ خشيت أن ينشد انتباههم إلى المرحاض ، فتمنيت أن تمطر رصاصا .
واهتز السقف فوقنا بحركة أقدام قوية ، فتصايحوا
-إلى النوافذ ، إنهم يحتلون الطابق الأعلى .
-نرمي لهم بجثة أخرى.
تلفتت إليها أستطلع إن كانت سمعت ما سمعت ، وجدتها ساهمة كأنها تجاوزت هلع الاحساس بالخطر إلى راحة التسليم بالموت ، وفي عينيها رثاء و حسرة .
- جاء الفرج يا فاطمة إنهم فوقنا .
وعلى غير العادة دوى انفجار زعزع الأركان و ضمنا فشد بعضنا بعضنا ، و توسلت :
-دعنا نمت متعانقين و نلقى الله بقلوب عاشقة .
استسلمت قليلا لنعومة ذراعيها تحوطان عنقي ، لعطر جسدها ، لوشوشة أنفاسها ، لعذوبة كلامها ، لو قالته في غير هذا الموقف لكنت جننت فرحا ، إذ كان حياؤها يمنعها من الاسترسال في الإفصاح عن عواطفها نحوي .لكن وا أسفاه تقوله الآن و الموت أقرب ما يكون .
لكن ، لا ، يجب أن نعيش ، نحن لم نعش بعد ، نحن ما كنا مفسدين في هذا البلد ، وما طلبنا إلا سكنا يأوينا نعمره بالحب ، والصندوق الوطني تأخر ، وهم يريدون لنا أن ننتهي في مرحاض !!!
ووجدت نفسي في غمرة انفعالي أعاود تسلق الحوض إلى الطاق و أخرج طرف قميصي ثم رأسي ،
وسمعت أحدهم يصفر لي من فوق ، ثم رأيته يشير لي بأنه سيبعث بالحبل لأشد به ما تحت إبطي ، وأنا أجتهد أن أفهمه بالإشارة أني لست وحدي متفاديا أشارة الانتصار ، وأن التي معي تحتاج إلى مساعدة .
وعدت إليها أزف البشرى ، وقد غمرني شعور من فك من عزلة مئة عام .
- سنخرج من الطاق ، سنعيش ، لقد جاؤوا لأنقاذنا.
وشع في عينيها وميض . تدلى العسكري في حبله على مستوى الطاق وهمس :
-تخرج بذراعيها ثم برأسها .
وأنا ألهج :
-تشجعي ، الموت حق ، ولكن الحياة حق أيضا ، وحبنا حق ، وهذا الجندي الذي يجازف بحياته من أجلنا حق . الباطل الوحيد هو هذا المرحاض...
وجاءني صوتها يستمهلني ريثما يثبت الجندي الحبل في وسطها ، صوت يحمل في خلجاته نسائم الحياة كمبحر تائه لاح له أخيرا بر الأمان . ثم جاءني وابل من الرصاص عنيف . أحسست بأسفلها يرتعش بين ذراعي و ينتفض ثم يهمد ، وأدركت بالغريزة أني صرت أحتضن جثة .
أسرعت أسحبها إلى الداخل ، جاء معها الحبل ، وجاء مع الحبل الجندي يتدلى رأسه على صدره مغمورا بالدماء .
فككت الحبل ، تداعيت إلى جوارها و أغمضت عيني أنتظر اقتحامهم الباب بعد أن تبينوا مكاننا ، وفي خيالي وجه فاطمة صاف رقراق كما عهدته قبل أن يهشمه الرصاص .
انخلع الباب ، سفافيد أحسستها تخترق صدري و بطني ، ثم انفجارات متتالية تنأنى بعيدا ، وفاطمة تنتظرني باسمة على حوض مزهر في حديقة غناء، وهي تمسح تعبي و تقول لي : لاتهن ولا تحزن ، حتى و إن استغنوا عنك في وظيفتك سنتدبر الأمر ، ستسحب نقودك من الصندوق الوطني للتوفير و السكن و نستلف قرضا من البنك الفلاحي و نرحل إلى الجنوب نستصلح قطعة أرض ، سيتفجر حبنا في الجنوب الكبير عيونا و أنهارا ، سيثمر بساتين و أطفالا ، وأنا أصغي إليها و في النفس عتاب للصندوق الوطني ، لماذا تأخرت بالسكن إلى أن انتهى حبنا في مرحاض ؟ كنا سنقنع بغرفة ، بخيمة ، إلا هذا الصندوق الدولي الذي صار يفرخ فينا صناديق ...
و رأيت جماعة تحمل صندوقين و تتجه نحونا ، فصحت في فاطمة أجذبها من يدها هاربين :
- هاهي الصناديق تلاحقنا تارة أخرى .
- أظنهم جاؤوا بها ليحملونا فيها إلى المقبرة .
و بينما كانت جماعة تتجه بالصندوقين إلى المقبرة في رتل طويل ، كانت غمامة بيضاء تترتفع بنا ، ونحن نلوح للبلد الذي كنا من أبنائه : يا أيها البلد المفدى لا ترحل في صندوق."
=====
وارتفع الطيف مودعا ، و مددت إليه يدي متضرعا :
- تمهل قليلا ، لا تدعني لوحشتي ، فالليل ما يزال طويلا...
القاص خليفة محفوظ
[/frame]

casawi 04-01-2008 12:09 PM

[gdwl] شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك اخي برادة على هذه القصة الرائعة تقبل مني اجمل تحية والتقدير[/gdwl]

رشيد برادة 04-01-2008 09:40 PM

[align=center]أشكر مرورك الطيب أخي كزاوي
تحياتي[/align]

bayood 05-13-2008 05:04 PM

رد: الحب في الصناديق
 
شكرا لك أخي قصيدة في منتهى الروعة

سيد أحمد 01-10-2010 10:37 PM

رد: الحب في الصناديق
 


الساعة الآن 01:18 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143