![]() |
مات أبي [gdwl] [gdwl]قصة واقعية[/gdwl] [gdwl] مات أبي [/gdwl] [gdwl] [gdwl]توفي والدي قبل خمس عشرة سنة . تركني رضيعا مدللا ملفوفا وسط المهد بأردية من حرير . تزوجت أمي بعد رحيله بشهور . أعيش اليوم مع زوجها وأربع إخوة منها . أشعر بنظراته الشزراء تلتهم راحتي ، وتغتال سعادتي واستقراري . وأتضايق من التهجم الثاوي بناصية محياه صباح مساء . أخطأت يوما في حق الصغيرة من إخوتي ونحن نستعد لتناول وجبة العشاء . فنهض غاضبا مندفعا ، وأخذ بتلابيبي وطوح بي بعيدا ، ثم ألقى بي بضاعة مجزاة خارج البيت . لم تنبس أمي ببنت شفة . ودعتني بدموع العاجز عن النفع ، الفاقد للقدرة على الاعتراض . همت على وجهي بدون خطة ولا هدف . حافي القدمين ، تسترني بذلة نوم متهالكة . أربط الأزقة ببعضها . أتفرس أوجه الناس بالشوارع والمقاهي والدكاكين . كلهم - لا محالة - أشباه زوج أمي ، غلاظ ، قساة ، معتدون ... الساعة تخطو ببطء ... نحو متم الهزيع الأول . الليل يبتلع حركة الناس ، ويقطع ضجيج الباعة في الأسواق ، أقفرت الشوارع والدروب من المارة إلا قليلا . الحركة تحتضر وأنس الأمكنة يكاد يندثر . بقيت وحيدا ، وجها لوجه مع لسعات البرد اللافح والجوع المبرح . ولما هد التعب أوصالي ، آويت إلى ركن مهجور لأستريح . فأخذت فرائصي تصطك وأطرافي ترتجف . لم أقو على تحمل ما أنا فيه . غادرت مخبئي ، أسير على غير هدى . ساقتني خطواتي دون شعور نحو بيتنا . ومن يدري لعل أحدهم هناك يصاب بلسعة ضمير فيحاول البحث عني . البيوت محكمة الإغلاق وكل الأجسام الآن تتلبد في أغطيتها خوفا من عض أنياب البرد الضارية . إلا المشرد قسرا المطرود من بيت والده فعليه أن يتحمل. سمعت أثر ضجيج قادما من آخر الزقاق ، لمحت نورا خافتا يتسرب من فرن خباز الحي . ابا رحو - كما يطلق عليه سكان الحي - صاحب الفرن ، يصب الماء على النار ويستعد للالتحاق ببيته . اقتربت واستغفلته ، وتسللت إلى أعماق الفرن . اتخذت من رماده الدافئ غطاء ومن بقايا الخشب المحترق متكأ . أخذتني غفوة عذبة وكاني أرقد بأبهى الأسرة وألتف بأفخر الأغطية . بعد مدة ، وصل إلى سمعي أزيز المفتاح الحديدي الضخم ثم قعقعة الباب الخارجي . ابا رحو ... وصل . لعل موعد الفجر قد اقترب . فمن عادته إعداد الفرن باكرا ، لتلبية حاجات وطلبات الحي من الخبز. أخذ يزود فرنه بالخشب ، ويتمتم ويردد كلمات لا أفهمها . تساءلت عن كيفية الفرار دون أن يشعر ؟ وإن رآني ، فما الذي أبرر به تواجدي هنا ؟ وهل سيصدق أني قضيت الليل أتقلب على جمر تنوره ، وأستحم بلهيب دموعي ؟ أراقب حركاته من مدخنة التنور . رأيته يراكم المزيد من الخشب والورق . ثم تناول قنينة بنزين ليصبه على الخشب قبل إضرام النار . لم يبق لي متسع للتفكير ولا للانتظار . وأنى لغصني الأخضر الممتد وسط الحطب المعد للاشتعال ألا تلتهم النار عوده وتجفف دماءه ؟ اندفعت بقوة ، بدون تريث ، عبر فوهة المدخنة ، وقعت أمام العجوز كالصخرة المنحدرة من عل . انتفض الرجل مذهولا . لم يصدق ما رأى . شبح صبي مكسو بالسواد والرماد . أيقن أنه من جنس العفاريت التي تزخر الروايات الشعبية بعجائبها ومغامراتها وقصصها . أبكمته الصدمة . ولما مثلت أمامه واقفا ، أخذ يحاول ترديد آيات وأدعية بصوت مضطرب . قل ... قل ... قل ... ولم يتمكن من إتمامها ، فساعدته بقراءة إحدى المعوذتين . فصاح ...وهو يرتجف أتقرأ القرآن أيضا ؟ ألست من الذين يحترقون بالقراءة والتعوذ ؟ إن كنت مؤمنا ، فعهد الله بيني وبينك . اخرج من هنا أعوذ بالله منك أستحلفك بالعزيز لديك ألا تؤذيني ولا تمسسني . إني أب أطفال صغار ... إني ... تركته يتوسل ويستنجد ، وتناولت رداءه المثبت على الجدار لأستر به جسدي . وانصرفت مهرولا... أعدو عبر طرق شاقة وطويلة للبحث عن مأوى جديد . نوارسي تحكي بنشيجها الشجي مأساتي مع من حل محل أبي ، اغتصب القلوب والنفوس قبل الأموال والذخائر. لايستطيع المستضعفون تغيير عادات الأمواج الهائجة. على جنبات أحد المسالك ، سمعت صوتا من أعماق فؤادي يتكسر صداه هونا على شط لساني ، فأخذت أقول : أن يرمى بطفل بريئ ليلا خارج بيته الذي تركه به والده ، ويضطر للانخراط في مسالك خطيرة مجهولة متشعبة ، فذلك يعني أن الإنسانية تنكرت في لبوس الخداع ، والأخلاق قفلت عائدة إلى برزخها بلا وداع ، والأرض فقدت توازنها وانقلبت دورة الزمان ، فأشرقت الشمس من مغربها . ........ هيهات ... هيهات ... فكيف يطمعون أن يكون الغصن سامقا مستقيما ، وقد كسرو عوده في فتوته ؟ وكيف ينتظرون أن تكون الخميلة مورقة مخضرة ، وقد حطموا ساقها في ريعانه ؟ وكيف يتوقعون أن تكون الشجرة طيبة مثمرة ، وقد اقتلعوا جذورها قبل اكتمال نموها ، وبتروا شرايين تزويدها بالحنان وفضائل القيم ؟ تلك ... أحلام تبث الشجون وترسلها نحو الشمال ، ومواجع تتلقفها وتردها كسيرة نحو الجنوب وحيتان الغدر بينهما تغدو خماصا وتروح بطانا من لحم البشر . ... كل الصقور تغط في أعشاشها ، والصغار تحتمي بأحضان أمهاتها . فيانوارس اشهدي ، ويادموعي كفكفي وياخمائل دوني : إن الأم تخلت عن فلذتها وهي تجهش ببكاء عميق . [/gdwl] . [/gdwl][/gdwl] |
رد: مات أبي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أخي الحواط أشكرك على الموضوع القيّم والمتميّز |
رد: مات أبي الفاضل سيد أحمد مشكور على التتبع والاهتمام مقدر على القراءة والتقييم لك تحيتي |
رد: مات أبي ما أجمل هده الروائع ألف شكر أخي الحواط |
رد: مات أبي الفاضل برادة مشكور على التشجيع والاهتام مقدر على التتبع والثاءوالارتسامات لك تحيتي |
| الساعة الآن 01:18 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي