القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   أجمل وأروع القصص (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   مات أبي (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=12980)

الحواط 01-03-2011 09:09 PM

مات أبي
 
[gdwl]



[gdwl]قصة واقعية[/gdwl]



[gdwl] مات أبي
[/gdwl]
[gdwl]





توفي والدي قبل خمس عشرة سنة .


تركني رضيعا مدللا ملفوفا وسط المهد بأردية من حرير .


تزوجت أمي بعد رحيله بشهور .


أعيش اليوم مع زوجها وأربع إخوة منها .


أشعر بنظراته الشزراء


تلتهم راحتي ، وتغتال سعادتي واستقراري .


وأتضايق من التهجم الثاوي بناصية محياه


صباح مساء .


أخطأت يوما في حق الصغيرة من إخوتي ونحن نستعد لتناول وجبة العشاء .


فنهض غاضبا مندفعا ، وأخذ بتلابيبي وطوح بي بعيدا ،


ثم ألقى بي بضاعة مجزاة خارج البيت .


لم تنبس أمي ببنت شفة .


ودعتني بدموع العاجز عن النفع ، الفاقد للقدرة على الاعتراض .



همت على وجهي بدون خطة ولا هدف . حافي القدمين ، تسترني بذلة نوم متهالكة .


أربط الأزقة ببعضها . أتفرس أوجه الناس بالشوارع والمقاهي والدكاكين .


كلهم - لا محالة - أشباه زوج أمي ،


غلاظ ، قساة ، معتدون ...


الساعة تخطو ببطء ...

نحو متم الهزيع الأول .


الليل يبتلع حركة الناس ، ويقطع ضجيج الباعة في الأسواق ،


أقفرت الشوارع والدروب من المارة إلا قليلا .


الحركة تحتضر


وأنس الأمكنة يكاد يندثر .


بقيت وحيدا ، وجها لوجه مع لسعات البرد اللافح والجوع المبرح .


ولما هد التعب أوصالي ،


آويت إلى ركن مهجور لأستريح .


فأخذت فرائصي تصطك وأطرافي ترتجف .


لم أقو على تحمل ما أنا فيه .


غادرت مخبئي ، أسير على غير هدى .


ساقتني خطواتي دون شعور نحو بيتنا .


ومن يدري لعل أحدهم هناك يصاب بلسعة ضمير فيحاول البحث عني .


البيوت محكمة الإغلاق وكل الأجسام الآن تتلبد في أغطيتها خوفا من عض


أنياب البرد الضارية .


إلا المشرد قسرا المطرود من بيت والده


فعليه أن يتحمل.


سمعت أثر ضجيج قادما من آخر الزقاق ،


لمحت نورا خافتا يتسرب من فرن خباز الحي .


ابا رحو - كما يطلق عليه سكان الحي - صاحب الفرن ،


يصب الماء على النار


ويستعد للالتحاق ببيته .


اقتربت واستغفلته ، وتسللت إلى أعماق الفرن .


اتخذت من رماده الدافئ غطاء


ومن بقايا الخشب المحترق متكأ .


أخذتني غفوة عذبة


وكاني أرقد بأبهى الأسرة وألتف بأفخر الأغطية .




بعد مدة ،


وصل إلى سمعي أزيز المفتاح الحديدي الضخم ثم قعقعة الباب الخارجي .


ابا رحو ... وصل .


لعل موعد الفجر قد اقترب .


فمن عادته إعداد الفرن باكرا ، لتلبية حاجات وطلبات


الحي من الخبز.


أخذ يزود فرنه بالخشب ، ويتمتم ويردد كلمات لا أفهمها .


تساءلت عن كيفية الفرار دون أن يشعر ؟


وإن رآني ، فما الذي أبرر به تواجدي هنا ؟


وهل سيصدق أني قضيت الليل أتقلب على جمر تنوره ،


وأستحم بلهيب دموعي ؟


أراقب حركاته من مدخنة التنور .


رأيته يراكم المزيد من الخشب والورق .


ثم تناول قنينة بنزين ليصبه على الخشب قبل إضرام النار .



لم يبق لي متسع للتفكير ولا للانتظار .


وأنى لغصني الأخضر الممتد وسط الحطب المعد للاشتعال


ألا تلتهم النار عوده وتجفف دماءه ؟



اندفعت بقوة ، بدون تريث ، عبر فوهة المدخنة ،


وقعت أمام العجوز كالصخرة المنحدرة من عل .



انتفض الرجل مذهولا .



لم يصدق ما رأى .



شبح صبي مكسو بالسواد والرماد .



أيقن أنه من جنس العفاريت


التي تزخر الروايات الشعبية بعجائبها ومغامراتها وقصصها .



أبكمته الصدمة .


ولما مثلت أمامه واقفا ،


أخذ يحاول ترديد آيات وأدعية بصوت مضطرب .



قل ... قل ... قل ...



ولم يتمكن من إتمامها ، فساعدته بقراءة إحدى المعوذتين .



فصاح ...وهو يرتجف



أتقرأ القرآن أيضا ؟



ألست من الذين يحترقون بالقراءة والتعوذ ؟



إن كنت مؤمنا ،


فعهد الله بيني وبينك .



اخرج من هنا


أعوذ بالله منك


أستحلفك بالعزيز لديك


ألا تؤذيني ولا تمسسني .



إني أب أطفال صغار ...


إني ...




تركته يتوسل ويستنجد ،


وتناولت رداءه المثبت على الجدار لأستر به جسدي .



وانصرفت مهرولا...


أعدو عبر طرق شاقة وطويلة للبحث عن مأوى جديد .


نوارسي تحكي بنشيجها الشجي مأساتي


مع من حل محل أبي ،


اغتصب القلوب والنفوس قبل الأموال والذخائر.


لايستطيع المستضعفون تغيير عادات الأمواج الهائجة.




على جنبات أحد المسالك ، سمعت صوتا من أعماق فؤادي يتكسر صداه


هونا على شط لساني ،

فأخذت أقول :


أن يرمى بطفل بريئ ليلا خارج بيته الذي تركه به والده ،


ويضطر للانخراط في مسالك

خطيرة

مجهولة

متشعبة ،


فذلك يعني أن الإنسانية تنكرت في لبوس الخداع ،


والأخلاق قفلت عائدة إلى برزخها بلا وداع ،


والأرض فقدت توازنها وانقلبت دورة الزمان ،



فأشرقت الشمس من مغربها .


........

هيهات ... هيهات ...



فكيف يطمعون أن يكون الغصن سامقا مستقيما ،


وقد كسرو عوده في فتوته ؟


وكيف ينتظرون أن تكون الخميلة مورقة مخضرة ،


وقد حطموا ساقها في ريعانه ؟


وكيف يتوقعون أن تكون الشجرة طيبة مثمرة ،


وقد اقتلعوا جذورها قبل اكتمال نموها ،


وبتروا شرايين تزويدها بالحنان وفضائل القيم ؟



تلك ...


أحلام تبث الشجون وترسلها نحو الشمال ،


ومواجع تتلقفها وتردها كسيرة نحو الجنوب


وحيتان الغدر بينهما تغدو خماصا وتروح بطانا من لحم البشر .


...


كل الصقور تغط في أعشاشها ،


والصغار تحتمي بأحضان أمهاتها .





فيانوارس اشهدي ،


ويادموعي كفكفي


وياخمائل دوني :



إن الأم تخلت عن فلذتها وهي تجهش ببكاء عميق .

[/gdwl]
[gdwl]
.
[/gdwl][/gdwl]

سيد أحمد 01-03-2011 09:37 PM

رد: مات أبي
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أخي الحواط أشكرك على الموضوع القيّم والمتميّز

الحواط 01-03-2011 09:54 PM

رد: مات أبي
 
الفاضل

سيد أحمد

مشكور على التتبع والاهتمام

مقدر على القراءة والتقييم

لك تحيتي







رشيد برادة 01-03-2011 10:11 PM

رد: مات أبي
 
ما أجمل هده الروائع
ألف شكر أخي الحواط

الحواط 01-03-2011 10:48 PM

رد: مات أبي
 
الفاضل

برادة

مشكور على التشجيع والاهتام

مقدر على التتبع والثاءوالارتسامات

لك تحيتي


الساعة الآن 01:18 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143