القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   «۩۞۩-المـنـتـدى الـــعــــام-۩۞۩» (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=3)
-   -   النقطة المضيئة (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=40920)

رشيد برادة 11-04-2019 10:39 PM

النقطة المضيئة
 

في إهاب كل إنسان – مهما صَغُر شأنُه – نقطة مضيئة، هي بحاجة إلى عين خبيرة لتبحثَ عنها وتدقِّقَ النَّظَر فيها، وتدرك من خلالها عظمة الخالق – جل وعلا – الذي أضفى على مخلوقاته أسرارًا لا يعرفها إلا من نَظَر بنور الله!!

جاءتا إليَّ كمجيء الربيع بعد شتاء طويل، تصافحت أيدينا، وتعانقت قلوبنا، وضمَّتنا جلسة علمية أدبية تأرّج في أجوائها عبير المودة الخالصة.
تحدثنا طويلاً في شؤون العلم والمدرسة والمعلمات والطالبات، وفجأة قطعت إحداهما حبل الحديث قائلة: أريد – يا معلمتي – أن أسألك سؤالاً، وأريدك أن تجيبي عنه بصراحة وصدق وبلا مجاملة.

قلت: اسألي ما بدا لك.

قالت: أنا أستغرب كيف تضيّعين وقتك الثمين معنا! فنحن بالنسبة لك لا شيء، فأنت أكبر سنًا، وأنضج عقلاً، وأوسع علمًا، وأعلى قدرًا، وما نحن إلا طالبتان في بداية المرحلة الثانوية، فكيف تجلسين معنا وتحاوريننا؟؟

أحسست بنوبة من الخجل تنتابني،
قلتُ وقد افترَّ ثغري عن ابتسامة صافية: ومَنْ قال لكِ إني أضيِّعُ وقتي معكما، فأنا أتعلّم منكما بقدر ما تتعلّمان مني؟؟!!

شهقت محدثتي باستغراب شديد، وقالت بلهجة فيها الكثير من الاستنكار والتواضع: تتعلّمين منا؟ وماذا تتعلّمين؟ ومَن نحن حتى تتعلّمي منا؟؟!

أجبتُها بلهجة هادئة واثقة محاولة تهدئة عواطفها المشبوبة وثورتها الجموح: إن جلستي معكما إنْ لم تكسبني معلومات جديدة فإنها تساعدني على استرجاع معلوماتي المختزنة في ذاكرتي منذ وقت ليس بالقصير، والآن خرجت من مَكْمَنِها ورأت النور، وتوالدت من خلال حواري معكما، فالعلم يزكو بالإنفاق، مثله مثل مال الزكاة تمامًا.

ولقد قيل: رُبَّ أستاذ حارَ في سؤال تلميذ. ومعنى ذلك أن المعلومات ليست وقفًا على الدارسين، فالعقل البشري يعمل دائماً، وقد يفيد من موقف عابر فيَصوغ مثلاً، وقد يأخذ العبرة من حَدَثٍ غريب فيعطي حكمة، وكل إنسان – مهما ضعف شأنه – لابدَّ أن يملك رصيدًا فكريًا ولو يسيراً يفيد به الآخرين، وقد تُومض فكرة في رأس إنسان يكون لها أثر كبير في تغيير مسار إنسان آخر.

إنني أجلس معكما، ولكني أرى المستقبل من خلالكما، فالعاقل ينبغي ألا ينظر إلى الحاضر فحسب بل يتخطاه إلى المستقبل، وألا ينظر إلى الحدث منفصلاً عن غيره، بل متصلاً بما قبله وبما بعده، أي ينظر إلى الأمور جملة نظرة شاملة عميقة، وهذا هو سر جلوسي معكما والتحدث إليكما.

قالت مستفسرة: كيف؟! أنا لا أفهم؟

قلت موضّحة: لا بأس، أنتِ الآن طالبة في بداية المرحلة الثانوية، ومتفوِّقة، فإذا حافظت على مستواك فستتخرجين في المستقبل بإذن الله طبيبة أو مهندسة، وهذا مما يدفعني ويشجعني على الجلوس معكِ، فأنا أقرأ فيك المستقبل المشرق بإذن الله. أما أنا فأمثّل الماضي، وقد يكون للماضي جلاله وجماله، وقد تكون له قدسيته، لكنه ينبغي ألا يشغلنا عن الحاضر والمستقبل، وأنت وزميلتك وغيركما مفاتيح المستقبل الآتي.

نظرت محدّثتي إليَّ دهشة لكنها مقتنعة، ثم تمتمت: أيّ سرٍّ فيكِ!!!

قلت مصحِّحةً لها نظرتها السريعة: كل مخلوق هو سرٌّ من أسرار الله، ومهما صغر شأن الإنسان لابد أن يحمل في طيَّات ذاته ميزة خاصة، وعلامة مميّزة، وأنا أحترم الإنسان لتلك العلامة التي يحملها والتي مَهَرَتْها يد الخالق بتوقيعها.

انظري إلى إنسان قبيح قميء تتحاشاه العيون، ودقّقي النظر فيه وتعاملي معه عن قرب، تجدي فيه صفة جميلة ترفعه في نظرك، وهذه هي النقطة المضيئة في تكوين كل إنسان، ولكنّ هذه النقطة المضيئة المشعّة لا تتجلى لسائر العيون بل للعين المتفتّحة، والبصيرة النفّاذة، ولذلك قال الفلاسفة: (الحقيقة لا تتجلى إلا للإنسان المنتبه).
فإذا اكتشفنا هذه المنطقة واستطعنا أن نمرر التيار من خلالها توهّجت وأضاءت حياةَ صاحبِها كلَّها.
إن الإنسان الذي أعطي الحكمة ليس في حقيقة الأمر إلا ذلك الذي أعطي العين التي ترى الأشياء في جُملتها لا في جزء منها، وفي تعاقبها لا في وقوفها، وفي عُمقها لا في قشورها، وليس هذا بالأمر السهل، إنه للبشر من أصعب الأمور، ومن أجل هذا كانت الحكمة في الأرض نادرة، لأن الحكمة وحدها هي التي ترى الحقيقة الكاملة.

ولأضرب لك مثالاً على ذلك. يقول الفيلسوف الصيني (لي هتز):
((فوق تلٍّ من تلال غابة نائية كان يعيش رجل شيخ مع ابن له وجواد، ذات صباح هرب الجواد واختفى؛ فأقبل الجيران على الشيخ يعزّونه بنكبته، فقال لهم الشيخ: ومن أدراكم أنها نكبة؟ فصمتوا وانصرفوا واجمين! ولم تمض أيام حتى عاد الجواد إلى صاحبه مصطحبًا معه العديد من الخيول البرّية؛ فعاد الجيران إلى الشيخ فرحين مهنئين بهذا الغُنم الموفور، وهذا الحظ السعيد، فنظر إليهم الشيخ بهدوء وقال: ومن أدراكم أنه حظٌ سعيد؟ فسكتوا مذهولين، وانصرفوا متحيّرين!! ومرَّت الأيام، أخذ ابن الشيخ يروّض الخيول، فامتطى منها جوادًا عنيدًا، فسقط من فوق صهوته إلى الأرض فكُسِرتْ ساقُه، فرجع الجيران مرّةً أخرى إلى الشيخ محزونين، يبثّونه ألمهم لما وقع لولده، ويعزّونه في هذا الحظ العاثر، فقال لهم الشيخ: ومن أدراكم أنه حظٌّ عاثر؟ فانصرفوا صامتين!! ومضى عام، وإذا الحرب العالمية تقوم، وجُنِّد الشباب وأرسلوا إلى الميدان، فلاقى أكثرهم حتفه إلا ابن الشيخ، فإنَّ العرج الذي بقدمه أعفاه من الذهاب إلى الحرب؛ وأنقذه من ملاقاة الموت!!)).

انصرفت محدّثتي مع زميلتها، وتركتاني وحدي أتحاور مع الورقة والقلم لأكتب حصيلة هذه الجلسة التي تعلّمت منها أن التّواضع سرُّ التواصل مع الآخرين، وأن عمق النظرة هو الذي يرينا الحقيقة الكاملة، وأن الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها التقطها!!

راق لي

الحواط 11-05-2019 01:42 PM

رد: النقطة المضيئة
 
لك كل الشكر والتقدير

رشيد برادة 11-05-2019 09:14 PM

رد: النقطة المضيئة
 
الشكر لتواجدكم أخي الحواط


الساعة الآن 05:04 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوضة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143