أثار فيلم )ظلال الصمت( للمخرج السعودي عبدالله المحين كثيرا من النقاش لدى عرضه بمهرجان السينما العربية الثامن بباريس ليس لكونه أول فيلم روائي سينمائي سعودي طويل. ولكن أيضا لتميز موضوعه ومحاولته »مناقشة أزمة الإنسان العربي وعجزه أمام تراكمات ماضيه ووطء حاضره وخوفه من المستقبل الذي يبدو أن لا أحد يملك أن يقدم له أملا أو حلما يعيش من أجله«. كما ورد في ملفه الاعلامي.
يقدم الفيلم موضوعه رمزيا من خلال قصة تشير الى نظام متسلط يوظف أساليب تقنية جديدة بغرض إحكام السيطرة على الناس من خلال عزل المواهب والمفكرين في مكان أشبه بالمركز العلمي في قلب الصحراء بعيدا عن الأعين. ويبدو هذا المكان الذي يسميه الفيلم ب »المعهد« ظاهريا كمركز للعلاج المتقدم بالتنويع والتأهيل من خلال تنمية القدرات الخاصة بالحكم في النفس بينما هو يمارس في الحقيقة عمليات معقدة ومنظمة للتخدير وغسيل المخ لاحتواء الكفاءات والمفكرين وفق آليات وأساليب عصرية متطورة. وطبعا لن يرضح بعض المفكرين لهذا التدجين فيثورون، كما يلجأ بعض أقاربهم ـ بمساعدة بدو رحل مدججين بأسلحة بارودية وهواتف نقالة ويمتطون الجمال ـ
الى مهاجمة المعهد
من الوهلة الأولى تبدو هذه الحكاية غير جديدة على السينما الغربية ـ وإن كانت كذلك بالنسبة للعربية ـ إذ سبق للمخرج الأمريكي ميلوش فورمان أن قدمها في فيلم )طيران فوق عش الوقواق( من بطولة النجم جاك نيكولسون محققا به نجاحا كبيرا في مستهل الثمانينيات.. لكن الجديد والجيد في نفس الوقت بالنسبة لظلال الصمت هو ضمه لعدد لايستهان به من الكفاءات الفنية العربية ومن جنسيات مختلفة لإنجازه، أولها صياغة سيناريوه من طرف المخرج الجزائري المعروف أحمد راشدي الذي وقع عينه من أهم الأفلام الجزائرية مثل )الطاحونة( و)الأفيون والعصا(. وقامت بتركيبه المركبة التونسية كاهنة عطية. ألف موسيقاه الفنان اللبناني زياد الرحباني، في حين شخصته نخبة من ألمع نجوم الشاشة العربية الصغيرة والكبيرة على رأسها الفنان السوري غسان مسعود الذي أدى دور الزبير بن العوام في مسلسل »الحجاج بن يوسف« وكذلك دور صلاح الدين الأيوبي في الفيلم الأمريكي الأخير الذي صور الحروب الصليبية، ومن سوريا أيضا مثلث منى واصف ـ من لبنان المطرب إحسان صادق الذي كان ظهوره ـ وإن قصيرا بمثابة رد اعتبار لهذا الفنان الكبير الذي أتحفنا بمجموعة من المسلسلات الشيقة في السبعينيات ، من تونس رجاء فرحات وفتحي الهداوي، ومن الجزائر سيدي أحمد أكومي ومن السعودية عبدالمحسن النمر. كما ساهمت اللغة العربية الفصحى التي اعتمدها الحوار في منح هذا العمل هويته العربية الشاملة لولا ارتكاب بعض الممثلين لأخطاء لغوية كادت تنسف جمالية هذا العمل وأسلوبه العربي الفصيح.
خلال مناقشة الفيلم غاب البعض عليه سلطة الحوار كأي عمل تلفزيوني، لكن عبدالله المحين نفى ذلك مؤكدا أن المشاهد الخارجية شكلت وحدها حوالي ثلثي مدة الفيلم صورت في ستين موقعا مختلفا تنوعت مابين الصحراء والمدينة وفي منطقة تدمر السورية بالخصوص. والأهم في كل هذا ـ يضيف المحين ـ هو الطرح الفكري الذي حبل به الفيلم خصوصا علاقة المثقف العربي بالسلطة وعجز مجتمعه عن التدخل. بل إنه يطمح الى أكثر من هذا، إذ هو حافل بالتساؤلات حول الواقع العربي وعلاقته بالغرب الذي حاول أن يبعدنا عن أصالتنا..» لذا قصدت أن يكون خيرة أطباء المعهد من البدو المتحضرين الذين لهم علاقات وطيدة بالتكنلوجيا رغم ارتدائهم الملابس البدوية، فالتمسك بالأصالة والتراث لايعني أبدا الانفصال عن العلم والحضارة«.
وهكذا يمكن الإقرار بأن )ظلال الصمت( مزج مابين الحداثة والمعاصرة في عمل درامي عربي ضخم ـ وإن حمل مخرجه الجنسية السعودية ـ بعيدا عن مشاكل الطلاق والزواج والحب المترهل التي وسمت للأسف بعض النماذج السينمائية العربية حاصدة الجوائز والتطبيل الإعلامي كما تفيأت ظلال هذا الصمت، صورة نظيفة وصوت نقي خلقت من العمل ككل تجربة سينمائية عربية رائدة جديرة بأن تخرج من منطقة الظل الى الضوء.
/ghg hgwlj« ! H,g tdgl v,hzd su,]d dov[ hgn hgq,x