![]() |
بين وبال التباهي وحقيقة الرقي في زمن صار فيه الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يخلق، وبما يظهر لا بما يضمر، صارت القلوب ميدانًا لصراع خفي: صراع بين أفئدة تطلع على أسرار صاحبها يوم القيامة، تحرقه على ما كان يخفي من كبر وعجب وحسد، وبين نفوس تتعالى في الدنيا زورًا، ترى نفسها فوق الآخرين بما أوتيت من مال أو جاه أو حسب أو نسب. هكذا وصف الله تعالى حال أهل التباهي والتفاخر في سورة الهمزة، حين قال: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 1 - 7]. إنها نار لا تكتفي بإحراق الأجساد، بل تطلع على الأفئدة، أي تصل إلى القلوب فتحرقها، لأنها كانت مستقر الكبر والغل والحقد على الناس، والسريرة الفاسدة التي لم يرَها أحد في الدنيا. أولًا: التباهي... آفة تفسد القلب وتهلك العمل: التباهي هو أن يرفع الإنسان نفسه على غيره بما ليس فيه فضل حقيقي له، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء؛ فالمال رزق، والجمال خلقة، والعلم هبة، والنسب قدر لم يختره المرء لنفسه، فكيف يباهي بما هو عارية ستعود إلى واهبها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))؛ [رواه مسلم]، والكبر أصل التباهي، فمن تكبر على الناس في مشيته أو كلامه أو لباسه أو ماله، فقد خاطر بدخول الجنة. وقد ذم الله أهل التباهي أشد الذم، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: 18]، والمختال: المتكبر في مشيته، والفخور: المباهي بما عنده. ثانيًا: الأفئدة التي تطلع عليها النار... لماذا؟ إن العجيب في الآية الكريمة أنها لم تقل تطلع على الجلود أو تطلع على العظام، بل قالت: ﴿ تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ [الهمزة: 7]؛ وذلك لأن الذنب الذي استحق به صاحبه هذا العذاب كان ذنب قلب لا ذنب جوارح فقط. إن التباهي ينبع من القلب: من حب الظهور، ومن إرادة العلو في الدنيا، ومن الاستصغار للخلق استكبارًا على الخالق في الباطن، فاللسان قد يصمت، واليد قد تكف، ولكن القلب يبقى يعج بالعجب والزهو، ولأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، جعل جزاء هذا السر الخبيث أن تطلع عليه نار لا تخفى عليها خافية، فتحرقه من حيث لا يشعرون. ثالثًا: نفوس تتعالى في الدنيا... كيف يكون التعالي الحقيقي؟ يقابل هذه النفوس المتعالية بالباطل، نفوس أخرى تتعالى بالحق، نعم، هناك تعالٍ محمود، وهو التعالي عن سفاسف الأمور، والتسامي عن الصغائر، والتخلق بأخلاق الكرام الذين لا يباهون بما عندهم ولا يحقرون ما عند غيرهم. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: 37]، فهذا نهي عن التعالي المذموم، وأما التعالي المحمود فهو ما كان في طاعة الله والسبق إلى الخيرات، كما قال: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]. فالمؤمن الحق لا يباهي، وإنما يباري في الخير، لا يفخر بما أعطاه الله، بل يشكر ويستعمل النعمة في مرضاته، يرى أن غيره خير منه، وأن ما عنده ليس إلا فضلًا من ربه. رابعًا: كيف ننجو من وبال التباهي ونرتقي بأفئدتنا؟ 1- نتذكر أن المال ليس ملكًا لنا: إنه أمانة سنُسأل عنها: من أين اكتسبناها؟ وفيم أنفقناها؟ 2- نكثر من النظر إلى من هو دوننا: قال صلى الله عليه وسلم: ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله))؛ [متفق عليه]. 3- نخفي ما نحب من مباحات الدنيا: قال السلف: من أظهر نعمة الله عليه لغير شكر كان مذمومًا. 4- نتذكر أن الموت يفاجئنا في أي لحظة: وكل ما نتباهى به سيترك لأهلنا وورثتنا، ونخرج وحدنا بأكفاننا وعملنا. 5- نكثر من قول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله عندما نرى شيئًا يعجبنا في أنفسنا أو في غيرنا، فهذا يقطع داء العجب والكبر. خاتمة: بين نار تطلع على الأفئدة وجنة ترضي النفوس: أيها القارئ الكريم، تأمل: كل نفس متعالية بالمال والجاه والتفاخر، ستواجه يومًا نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، وكل نفس متواضعة لله، راضية بقضائه، لا تباهي ولا تحتقر، ستنال رضوان الله وجنات النعيم حيث لا خوف ولا حزن ولا تباهٍ باطل. فاختر لنفسك اليوم: هل تريد أن تكون ممن تطلع النار على أفئدتهم في الآخرة؟ أم تريد أن تكون ممن تطمئن قلوبهم بذكر الله وتعلو نفوسهم بالتقوى؟ إن الخيار بين يديك، والدنيا مزرعة الآخرة، فازرع فيها التواضع والرضا، تحصد هناك الكرامة والرفعة الأبدية. اللهم طهر قلوبنا من داء التباهي والكبر، واجعلنا من عبادك المتواضعين الشاكرين، الذين إذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا، آمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |
رد: بين وبال التباهي وحقيقة الرقي لكم كل الشكر والتقدير |
رد: بين وبال التباهي وحقيقة الرقي الشكر والتقدير لكم تحياتي |
| الساعة الآن 11:15 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي