![]() |
الفرار رغم أني لا أميل إلى قضاء وقت الفراغ بين أحضان الأشجار وعلى الممرات الضيقة للأدغال . لأن قدري ربطني منذ طفولتي بأدراج السلالم الثابتة المتآكلة . وشدني إلى زحمة مسالك الأسواق المكتضة . الصخب جزء مني . يتغذى من غدوي ورواحي . يقضم أطرافي . يمتص ماء عروقي . إلى أن أذوب على حافة لسانه الإسفنجي الملتهب . زلت قدمي التائهة فوطأت رقعة نقية . تزهو بخضرة الأغصان المنسدلة في انسياب تلقائي . تلامس رداء العشب المنتشر بلا حدود . وقفت بجوار صخرة ضخمة تتربع في السفح . تراقب في صمت ، مناجاة الخمائل ، وهدير أسراب الطيور . أبحث عن كلماتي المختفية . فقدتها في غمرة الصراع من أجل البقاء . أهملتها مدة ، فاختفت ، ولم تخلف أثرا يدل على وجهتها . أتوقع أنها رافقت الحمام البري إلى أحد المنتجعات . أو قصدت رمس الشيخ " سدي مفتاح " الذي يزعمون أنه طوح بالصخرة الضخمة الجاثية بين يدي قبره من قمة الجبل ، تعبيرا عن غضبه وامتعاضه . إنها تصدق ما كانت تهذي به جدتي وتختلق . أقمت أياما معتصما بالأدغال . أحتمي بدفء الصخر وظلاله . أشفق الصخر من حالي ودلني على مرفإ كلماتي . إنها جاثمة واجمة بالمساحة الصامتة من مخي تحت قبة رأسي . انتصبت قائما بجوارها . نختلس النظر لبعضنا . نتبادل العتاب عبر رقة نسيم المساء . يحدث كل منا نفسه بما لا يدري الآخر . بادرتها بالقول : - أعياني البحث عنك . كنت أظنك مغرقة في ذهولك بين شذو الزهور وشجن هيام القمر . تنط بين مواقع الصخور بحبو طفل تائه . تهفو لملمس كف منعش ، وذبيب أنامل قمر شجي . تلملم أطراف رفات رمس دارس ، يقيك شظف الكر بساحة العنوسة القاتمة المبكرة . ألم يشفع لنا ، أننا عشنا نقتسم نفس النبض . نعب من عصارة قلب مثخن بجراح الفقد والألم . حتى تصاب أطرافنا بنزيف حاد مميت . فنموت ثم نحيا لنموت كيف نشاء ؟ فردت مع خرير المجاري . - تبادلنا أول عشق على أباريق الصحو الدافئ . بنينا قصائد الحياة . رددنا زغاريد الانعتاق . لما اهتزت وربت سماء خيالك . وتناسلت بلورات الدمع المنسكب من مقل الغيم الناذر . فكنا نقفو أثر الملهمين . نمشي فوق دروب الحلم . نسبح في مجاري المياه العابسة المتربصة . موكبنا يمخر بالجواري المجدفات إلى أعالي اليم المستلقي على مسافة مد البصر . فنكثت عهدك وانسحبت إلى الخلف ، متفرغا لتدبير مركب كسب عيشك . أغلقت منافذ النور . أظلمت جوانحك . اختنقت أحلامك . فانزويت بعيدا ، أردد : - أتراها خاتمة المطاف ؟ أجبتها : - لقد توهمت ردحا أن ما أقوله ، أكتبه ، كأنه وشم يرتسم أمامي على شاشة مخيلتي ، حتى تواريت في ضباب وهمي الكثيف . فصرت لا أبصر إلا ما أرى . ولا أسمع غير النعيق . وجدتني فريدا عاري الذهن . محدود القدرة على البوح والبث . أسكن وحدة الجنين ببطن أمه . أناجي صمتي . أسوق جرحي إلى مديته . اليوم وقد عثرت عليك . سأنسحب من وحدتي . وأمضي بك هاربا إليك . لأسترجع دفء روحي . وأودع غربتي وانفرادي . وأبصم بكل أناملي على أن كلماتي هي سر وجودي ووشاحه الوحيد . |
رد: الفرار تحياتي وتقديري أخي الحواط |
رد: الفرار الفاضل رشيد أشكر مساهماتك ومشاركاتك وأقدر تشجيعك وحضورك وأثمن الروح الأخويةالطيبة التي تميزت بها |
| الساعة الآن 04:37 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By
Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي