القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   أجمل وأروع القصص (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   الفرار (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=13894)

الحواط 11-27-2011 08:14 PM

الفرار
 

رغم أني لا أميل إلى قضاء وقت الفراغ بين أحضان الأشجار
وعلى الممرات الضيقة للأدغال .
لأن قدري ربطني منذ طفولتي بأدراج السلالم الثابتة المتآكلة .
وشدني إلى زحمة مسالك الأسواق المكتضة .
الصخب جزء مني .
يتغذى من غدوي ورواحي .
يقضم أطرافي .
يمتص ماء عروقي .
إلى أن أذوب على حافة لسانه الإسفنجي الملتهب .

زلت قدمي التائهة فوطأت رقعة نقية .
تزهو بخضرة الأغصان المنسدلة في انسياب تلقائي .
تلامس رداء العشب المنتشر بلا حدود .

وقفت بجوار صخرة ضخمة تتربع في السفح .
تراقب في صمت ، مناجاة الخمائل ، وهدير أسراب الطيور .
أبحث عن كلماتي المختفية .
فقدتها في غمرة الصراع من أجل البقاء .
أهملتها مدة ، فاختفت ، ولم تخلف أثرا يدل على وجهتها .
أتوقع أنها رافقت الحمام البري إلى أحد المنتجعات .
أو قصدت رمس الشيخ " سدي مفتاح "
الذي يزعمون أنه طوح بالصخرة الضخمة الجاثية بين يدي قبره
من قمة الجبل ، تعبيرا عن غضبه وامتعاضه .
إنها تصدق ما كانت تهذي به جدتي وتختلق .
أقمت أياما معتصما بالأدغال .
أحتمي بدفء الصخر وظلاله .
أشفق الصخر من حالي ودلني على مرفإ كلماتي .
إنها جاثمة واجمة بالمساحة الصامتة من مخي تحت قبة رأسي .
انتصبت قائما بجوارها .
نختلس النظر لبعضنا .
نتبادل العتاب عبر رقة نسيم المساء .
يحدث كل منا نفسه بما لا يدري الآخر .
بادرتها بالقول :
- أعياني البحث عنك .
كنت أظنك مغرقة في ذهولك بين شذو الزهور وشجن هيام القمر .
تنط بين مواقع الصخور بحبو طفل تائه .
تهفو لملمس كف منعش ، وذبيب أنامل قمر شجي .
تلملم أطراف رفات رمس دارس ،
يقيك شظف الكر بساحة العنوسة القاتمة المبكرة .

ألم يشفع لنا ، أننا عشنا نقتسم نفس النبض .
نعب من عصارة قلب مثخن بجراح الفقد والألم .
حتى تصاب أطرافنا بنزيف حاد مميت .
فنموت ثم نحيا لنموت كيف نشاء ؟
فردت مع خرير المجاري .
- تبادلنا أول عشق على أباريق الصحو الدافئ .
بنينا قصائد الحياة .
رددنا زغاريد الانعتاق . لما اهتزت وربت سماء خيالك .
وتناسلت بلورات الدمع المنسكب من مقل الغيم الناذر .
فكنا نقفو أثر الملهمين . نمشي فوق دروب الحلم .
نسبح في مجاري المياه العابسة المتربصة .
موكبنا يمخر بالجواري المجدفات إلى أعالي اليم المستلقي على مسافة مد البصر . فنكثت عهدك وانسحبت إلى الخلف ،
متفرغا لتدبير مركب كسب عيشك .
أغلقت منافذ النور .
أظلمت جوانحك .
اختنقت أحلامك .
فانزويت بعيدا ، أردد :
- أتراها خاتمة المطاف ؟
أجبتها :
- لقد توهمت ردحا أن ما أقوله ، أكتبه
، كأنه وشم يرتسم أمامي على شاشة مخيلتي ،
حتى تواريت في ضباب وهمي الكثيف .
فصرت لا أبصر إلا ما أرى .
ولا أسمع غير النعيق .
وجدتني فريدا عاري الذهن . محدود القدرة على البوح والبث .
أسكن وحدة الجنين ببطن أمه . أناجي صمتي . أسوق جرحي إلى مديته .

اليوم وقد عثرت عليك . سأنسحب من وحدتي .
وأمضي بك هاربا إليك .
لأسترجع دفء روحي .
وأودع غربتي وانفرادي .
وأبصم بكل أناملي على أن كلماتي هي سر وجودي ووشاحه الوحيد .


رشيد برادة 11-27-2011 11:10 PM

رد: الفرار
 
تحياتي وتقديري أخي الحواط

الحواط 11-28-2011 06:35 PM

رد: الفرار
 
الفاضل رشيد

أشكر مساهماتك ومشاركاتك

وأقدر تشجيعك وحضورك

وأثمن الروح الأخويةالطيبة

التي تميزت بها














الساعة الآن 04:37 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143