القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   أجمل وأروع القصص (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   من شرفة البيت (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=12960)

الحواط 12-23-2010 08:25 PM

من شرفة البيت
 
من شرفة بيتي












اخترت مساء اليوم الاستعاضة عن جلسة مقهى الحي بين الأصدقاء ، بالانزواء في أحد أركان شرفة بيتي .


قصد التفرغ لإتمام قراءة الكتاب الذي شرعت في تصفحه منذ مدة ، ولا زلت لم أتمكن من ختمه .



ركنت إلى مقعد بجوار مزهرية ضخمة ، تتوسطها شجرة جميلة ناشئة .



تحكي بخضرة أغصانها بهجة الحياة الناعمة السعيدة .



تقاوم بصمود وتحد كل ألوان تقلبات الطبيعة وتحاكيها .




تمثل أدق تفاصيل الحياة في أجل معانيها وأوضح صورها .



عدت إلى كتابي ، قلبته يمنة ويسرة ، أعدت قراءة عنوانه :



" رواية عائد إلى حيفا "



رفعت الكتاب وجذبت دفته الأولى .



رميته بسهامي فتجاوزته إلى ما تفضي إليه شرفة بيتي .



شوارع ممتدة بعيدة النهاية .



صفوف مصابيح الإنارة مصطفة على جنبات المسالك.



بنايات شاهقة مترامية هنا وهناك . تتخللها حدائق وملاعب ومنتزهات .




انشغلت عن هذا وذاك ، بتتبع حركة السير بملتقى الشارعين المتقاطعين عند ركن المجمع السكني الذي أنتمي إليه .



وكأني أشاهدها لأول مرة في حياتي .




حركة منضبطة بإشارات مصابيح كهربائية .



ملتزمة بالاستجابة لوصول التيار ونوع اللون الذي يصدره .



قوافل السيارات وأفواج الراجلين تتناوب الحق وتنصاع بتلقائية وطواعية .



ناذرا ما يحدث خلل أو تجاوز .



وكلما حل الخلل صاحبه الجزاء بوقوع كوارث لا تحتمل.



عجيب أمر هذا الاضباط .



مساطير اقتبسها الإنسان على منوال نواميس الكون وقوانينه .



كل فيه يسير بقدر ...



ومتى اختل توازن أو حدث تجاوز ، حل العطب والاضطراب .



كما في :



السقم بعد سلامة ..



والراحة بعد تعب ..



والكسب بعد عمل ..



والخوف بعد أمان ..



والفشل بعد استسلام وهوان ..



وهي سنن قائمة على مقياس :



لا إفراط ولا تفريط . وإلا كان الجزاء على قدر التجاوز.





أخذت نفسا عميقا وتذكرت كتابي .



وضعت عليه يدي هاما بتناوله . فدنت إحدى خمائل شجرة المزهرية ، مستجيبة لترانيم النسيم فلامست بلطف ظهر يدي .



سرت شرارة ملمسها عبر عروقي ، فنبهتني وصبت سيلا من الاستفهامات عبر شرايين مخيلتي .



فرددت مع نفسي :



يالجمال وفتنة هذه الشجرة !



هل تدري بهاء رونقها وقوة جاذبيتها ؟



وهل تعي قدر ما تضفي على المكان من جمال وجلال ؟



أم أنها تعيش كغيرها - فقط - لتستهلك و تفنى ؟



ركزت اهتمامي عليها .



أغصانها الفتية تطل من نوافذ بالجدع ، بترتيب فسيفسائي بديع ، خطته وقدرته يد أمهر الصناع وأحذقهم .



لكل غصن حيزه وزاده ، ينطلق من مصدره شرارة قاصدة عنان الفضاء .



الأغصان تجاري نسيم أيامها ورياحها صباح مساء .



تنعم بسكون لياليها متزودة بما أغدق عليها الفضاء من بخار وغبار وماء .



تستقي منها كل حين زادها ودواءها



تصبح مشرقة متلألئة ، وتمسي منكسة الهامة مطأطأة الرأس .





لعلها تعاني بدورها كما نعاني .



ولا تبث شجونها كما نبث ، ولا تتبرم كما نتبرم .





أراها واجمة مصغية متأملة .



فهل هي الآن منشغلة بحل ألغاز أفكاري قبل النطق بها ؟



وهل بإمكانها صياغة ردود مقنعة ملائمة أفهمها ؟





أيتها الفاتنة الصغيرة ..





إذا عجز لسانك ..



فأفصحي بحال مقامك.



وعبري عما تتقاذفه الأمواج في أعماقك .





بعد هدوء مطبق ، ووجوم متبادل بيننا ، اهتزت كل أطرافها ، وكأنها أصغت لهمسي وبعثت إشارة تعجم عودي وتوجه قوسي .






انطلقت أقص الشجون .



أعد المراثي .



أصنف الأحداث وفق ما خلفت من رزايا وآلام .





اقتربت الخميلة التي صافحت يدي ، وأخذت تربت على كتفي .



تواسيني وتردد :





لو كنت حكيما لنظرت إلى السقيم المحروم مما أنت به تتمتع .






وتذكرت الجائع وقت ازدحام مائدتك بما لذ وطاب .



ولأشفقت على البائس حين اقتنائك وارتدائك أزهى وأثمن الأثواب .



ولأحسست بلوعة أهل المفقود لما تستقبل عائدا من ذويك بعد طول غياب .




إنك - في نظري - ترفل في حلل نعيم العافية الحقة .



وتزهو بالأنس والرخاء والهناء المقيمة ، دون شعور منك ولا اكتراث ....






الشمس تميل نحو الغروب ، تستعد لإرسال مراجلها فوق مدرج قمة الجبل هناك .تطرزمرمرا بمرثية الأشجان ، وترسل أهازيج مرتلة عبر أوراق الشجيرة المنتصبة هنا بجواري .





أدرت وجهي نحو مخاطبتي وقلت :



أفحمتني وختمت على لساني ...





وأنت ...





قبل البوح بما أطلب ، قال لسان حالها :



حالي يكفيك عن التساؤل عني .



ألا ترى أني مجرد أثاث آني ، وفرجة عابرة ؟



أحس بكوني صغيرة ضئيلة في موقعي وفي أعين الناس .



أعيش فقدانا ماحقا وغربة قاتلة .



أشعر بالضيق والحسرة تخنقني .



تمنيت لو أني على ضفاف نهر متدفق .



أو على عتبة سفوح جبل شاهق .



أشكل مع غيري الأدغال الكثيفة ، والغابات الموحشة .



أنطلق من منبتي شهابا صاعدا أخترق كتل المزن ، وأسهم بدوري في خدمات تنقية الفضاء ، وتوفير النقي الصالح من الهواء ، وتشكيل وجه الطبيعة الخلابة الفيحاء ،




وأنهل وأرتوي ، وأنأى بنفسي عن بصمات الوهن ، ونظرات الاستخفاف ، وعبث الكبار والصغار ...





الشمس تستعد للرحيل .



تبعث خيوطا ذهبية مودعة قبل الانغماس في ظلمة الشفق .





أقفل النسيم .





هدأت الأغصان .





غارت المناجاة .





أسمع دبيب صوتها يبتعد ويأفل رويدا رويدا ،




ممتطيا أشعة النور التي انسحبت مع ترجل قرص الشمس ، وحبوه نحو مستقره.



بعدهنيهة ...



مات النهار .



أشاهد الجنازة ترتفع أمامي في افق البحر الغارب .



غادرت بدوري ،


كغيري ممن شيع ،


تابطت - كعادتي - كتابي



وانصرفت عبر مسالك الزمان في هدوء ...












بقلمي

سيد أحمد 12-23-2010 08:51 PM

رد: من شرفة البيت
 
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
أخي الحواط

رشيد برادة 12-23-2010 10:06 PM

رد: من شرفة البيت
 
سلمتم وسلم قلمكم أخي الحواط
تحياتي
وأتمنى أن تطلع على رسائلك الخاصة

الحواط 12-25-2010 01:20 PM

رد: من شرفة البيت
 

الحواط 12-25-2010 01:23 PM

رد: من شرفة البيت
 
برادة الفاضل

توصلت برسالتيك وأجبت عنهما

وأشكرك على إصلاح العطب .

كم أبجلك وأقدرك على الاهتمام والتتبع

تقبل تحيتي


الساعة الآن 04:37 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143