القلم الذهبي

القلم الذهبي (https://www.hanaenet.com/vb/index.php)
-   أجمل وأروع القصص (https://www.hanaenet.com/vb/forumdisplay.php?f=25)
-   -   عودة السجين (https://www.hanaenet.com/vb/showthread.php?t=11020)

الحواط 04-19-2009 11:39 PM

عودة السجيـــــن
 
[frame="15 98"]
[gdwl]
عودة السجين

الليلة ، لفظته الزنزانة ، وتخلص منه السجان . ألفى نفسه ، مع بزوغ نور الفجر ، لأول مرة خارج المحمية بدون حراسة. غير مكبل اليد ولا معصوب العين ، مسكوبا فوق كرسي الإسمنت ، بحديقة الشارع الرئيسي لمدينته . حرك يديه ومسح على وجهه وعينيه . حاول فتحهما فرشقهما الضوء . لم يتحمله فأغمضهما . ثم أخد يتعود على الضوء رويدا حتى انقشع الضباب وأخذ يتتبع المارة : راجلين وسيارات وعربات . استوى جالسا وكأنه يستعيد الحياة من جديد .
رقت لحاله امرأة وزوجها خرجا باكرا قصد السفر ، رأته مطويا فوق مقعد الحديقة العمومية
، شاحب اللون ، نحيل البنية ، ممزق الأطمار، مشردا ، اقتربت منه وسلمت ، يجيب بعينيه وملامحه ، ولا ينطق لسانه .
لسانه لحمة محمرة متفخة ضاق بها تجويف فمه وما تبقى من اسنانه.
ألقت في يده بعض الدنانير صدقة لوجه الله . أبصرهما ، ولم يتبين ما قالت ، وإنما سمع دويا عميقا غير مفهوم .
مد يديه يشير ..
ساعدوني لأقف .
حاولا معه حتى استوى قائما وأخذ يخطو بعض الخطوات .
حمد الله كثيرا أن أبقى له قدرا من الطاقة ، ويطلب منه العون والقدرة ليصل عند أهله .
سلمته المرأة بعض ما معها من الزاد وانصرفا .
حاول أن يتناول منه قليلا فما استطاع مضغه وبلعه .
أخذ يسترجع معالم المدينة ومسالكها .
تغيرت معالمها كثيرا ، بنايات شاهقة متراصة على جنبات الشارع ، ولوحات إشهار فاخرة زينت واجهات المحلات التجارية .
تأمل المكان وتبين أنه على مسافة من بيت أهله .
استرجع ذاكرته ، وتعرف على الموقع كما تعرف على بعض الوجوه من المارة ، ولكن أحدا لم يستطع اكتشاف هويته.
إنه تغير راسا على عقب . أصبح ، مقوس الظهر ، أصلع الرأس ، أصفر البشرة ، غائر العينين ، لا يمت بأية صلة لما كان عليه قبل اختفائه .
تدحرج ببطء شديد، وأخذ يخطو خطو السلحفاة نحو بيت أهله .
يتوقع لقاء زوجته التي تركها حاملا من شهرين ، ورؤية والديه المنكوبين والمكلومين بفقدانه ، والسلام على أخته التي تليه ، وتفقد أخيه المشاكس العنيد .
تذكر كيف كانت أخته تلهو بفناء الدار ، مع بعض بنات الجارة بالعرائس ، المصنوعة باليد ، المكسوة ببعض بقايا القماش المزركش ، كما تذكر أخاه الأصغر المشاغب ، وصعوبة انصياعه لأوامر كل كبير في الأسرة .
لقي في طريقه أحد طلابه بالجامعة آنذاك ، لم تتغيرهيئة الطالب ولا ملامحه .
توقع أنه سيصافحه ويعانقه ، لكنه أيضا لم يتعرف على السجين المشرد . وضع الشخص بعض الدنانير بيده صدقة لوجه الله .
تيقن عندها صاحبنا أنه مجهول في البلد .
استمر في شق طريقه دون أن يعبا بأحد ، لأنه في نظرهم في عداد الموتى ، وعاد اليوم بهيكل وهيئة وملامح غريبة ومشوهة . .
قضى اليوم كله في الطريق إلى البيت .
وقف قليلا بمدخل الزقاق المؤدي إليه ، بدأ يتبين الأصوات ويميز بينها . يتأمل الوجوه ويحييها في صمت ، بعضهم من أصدقائه ومعارفه وجيرانه ، لم يأبه أحد بحضوره إلى الحي ، تابع طريقه ، يتهادى ويترنح ، حتى ولج باب البيت .
لعلها البناية الوحيدة في المدينة التي لازالت على أصلها . لم يعت عليها الزمان ، ولم تتأثر بعوامل الدهر .
توجه إلى حجرته القديمة ، وجدها هي هي بأثاثها وتجهيزاتها وأغراضها ، وكأنه خرج منها لبعض الوقت ثم عاد .
استقبله فتى من سكان الدار، في ريعان شبابه .
سأله الشاب عن وجهته وغرضه .
لم يتمكن من الجواب .
وأنى له أن يفعل !
وما وسيلته للحديث والتخاطب ؟
إنه عاجز عن النطق والتعبير .
اكتفى في الرد بعبرات الدمع المنهمر، المبلل لشعر لحيته الرث المبعثر .
واستعاض عن النطق بحركات أنامله المرتجفة .
لم يتمكن الفتى من معرفة قصده ووجهته ، واعتقد أنه في حاجة لأكل أو مساعدة .
أخذ بيده ورافقه إلى خارج المنزل ، وسلمه بعض النقود والطعام . وودعه .
التفت العائد يمنة ويسرة ، وحاول طرق الباب فلم يستطع .
آوى إلى ركن بجوار الباب محاولا الاستسلام إلى النوم .
لأول مرة منذ سنوات ينام حرا طليقا بمكان هو الذي اختاره وحدده .
تغمره سعادة دفينة ، لأنه لم ييأس من لقاء أبويه وأهله .
لم يلم الفتى على صنيعه . وأصر على البقاء حتى يتبين مصير زوجته وذويه .
نسي الفتى ، ولم يخبر أمه وجدته بالغريب . فقضى ليلته بالعراء إلى جوار بيتهم .
وفي الصباح الباكر خرج الفتى - كعادته - لأداء صلاة الصبح في مسجد الحي ، فوجد الغريب جالسا القرفصاء تصطك جوانحه من شدة البرد . فرق لحاله ، وأدخله إلى البهو وزوده بألبسة وأغطية ، وتركه .
عرجت أم الفتى بعد أداء الصلاة على البهو ، فاستغربت وجود شخص غريب مستغرق في نوم عميق . تركته وعادت لإتمام بقية أشغالها .
ثم لم تطمئن ، فعادت إلى البهو من جديد، وأزاحت الغطاء عن وجه النائم ز
رجل مشرد ، ومن الذي أدخله وأحسن إليه ؟
ملامحه مالوفة عندها .
فقالت في نفسها : يخلق من الشبه أربعين ... سبحان من لا شريك ولا شبيه له ...
سالت ابنها بعد عودته ، فأجاب بأن الغريب ولج الدار مساء أمس ، وأخرجته ، ففضل قضاء الليل بجاورها ، ولما شعر بقربي منه صباحا أخذ يشير بأصبعه إلى صدره ثم إلى الدار . وكأنه يرغب في الاحتمام من لفحات البرد القارس داخل الدار ، فلبيت رغبيه .
فردت الام على ابنها ، لا أظنه يقصد الاحتماء من البرد، إن ملامحه مألوفة عندي .
استعان الغريب بهما ليجلس ، ودموعه لا زالت وسيلة تعبيره الوحيدة عن آلامه وحسرته ورغباته .
الجدة مقعدة في سريرها تنادي الفتى من بيتها .
شعرت بالغريب ، وسمعت حديثهم عنه ، فحركتها عاطفة الأمومة ، وتحدت الآلام والمرض وأخذت بيد حفيدها متوجهة نحو الغريب .
بادرها الغريب قبل وصولها وحاول اعتصار الحروف ، وناداها بصوت مضطرب غير واضح ولا مفهوم
" أمي " ،
سمعته ، وفهمته ، وعرفته ، وصاحت بأعلى صوتها :
ابني الحبيب ...
ابني الحبي ...
ابني الح ...
وهوت إلى الأرض مغشيا عليها .
كانت صدمة المفاجأة أقوى من قدرة تحملها . احتواها الفتى بذراعيه وحملها إلى فراشها . تبعه الابن العائد ، وجثا على ركبتيه تحت قدميها ، نسي آلامه وأوجاعه برؤية أمه وأهله .
ضخ الفتى رشات من الماء البارد على وجهها ، إلا أنها لم تستعد وعيها حتى نقلت على عجل مع ابنها العائد إلى مصحة المدينة .
بغرفة العلاج التفتت نحو العائد ، و تلمسته بيديها معا .
أأنت .....
أأنت ......
أأنت
وأين كنت طوال هذه المدة ؟ .
تتابع تفحصها لكل جسده وتقول :
لم تكن يا ولدي الغالي لا مع الأحياء ولا من عدادهم ... . أبدا ... أبدا ... .
كأنك خرجت من قبر ونبعت من بين الأجداث
. لا يمكن لأي حي يرزق ويتحرك أن يكون مثل ما أنت عليه .
بدنك وحالك وثيابك تفصح عما كنت فيه ، وتحكي حجم معاناتك .
أخذهو كذلك يستعيد عافيته بالتدريج .
فتأكدت من صدق فراستها ، وحقيقة توقعها ، لما علمت منه بعض تفاصيل الكوارث التي عانى منها ، والمصائب التي قاساها ، منذ اختطافه من مقهى الحي ، إلى اليوم .
أمي ... – بصوت متحشرج مفعم بغنة البكاء - رحم الله أبي وأخي وأطال عمرك وعمر أختي وأهلها وزوجتي وابنتي ....
أطرقت برأسها . فانهمرت دموعها ولم تتمالك نفسها فارتفع شهيقها وأنينها وأخذت تردد وتبكي :
ألا تعلم أنك غبت عنا أزيد من ثلاثين حولا ؟
مات أبوك حسرة وكمدا ، مفجوعا باختطافك ،
وأصيب أخوك بعده بقليل ، بمرض عضال لم يمهله طويلا .
وأما زوجتك فانتظرت عودتك مدة تزيد على العشرين سنة ، ولما تزوجت ابنتها ورحلت وبقيت وحيدة ، مرضت واضطربت ، فتوقعنا هلاكها ، وأشرنا عليها ، كما أشار عليها أطباؤها ، بالاقتران بأحد الرجال الراغبين في الزواج منها ، لصون حرمتها والحفاظ على كرامتها ، وضمان سلا مة صحتها ، وتطبيق شرع الله وتنفيذ تعاليم رسوله .
أمي ... هل لي أن أتمكن من رؤيتهما وتهنئتهما والاطمئنان عليهما .
أما ابنتك فمن حقك إحياء صلة الرحم بها ، وسأدعوها وزوجها وأبناءها لرؤيتك ببيتنا وأمامي وبحضور كل أفراد أسرتك . حيث سنقيم حفلا بمناسبة انبعاثك من جديد .

أعادت تلمس جسده ورأسه ووجهه وأمسكت بأنامل يديه .
حالتك الصحية يرثى لها ... ربما تتطلب مكوثك لعدة أيام تحت رعاية الأطباء المتخصصين بهذه المصحة .
بهذه المصحة قضى أبوك وأخوك ، وبها عولج العديد من أفراد أسرتك ، كما أني تعودت على النزول بها كلما كنت في حاجة لعناية بالقلب أو رعاية للتنفس أو تطبيب واستشفاء .... .
[/gdwl]


[gdwl]
محمد الطيب الحواط
[/gdwl]

[/frame]

رشيد برادة 04-20-2009 02:00 PM

رد: عودة السجيـــــن
 
[align=center]
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
رائع أخي الحواط تحياتي
[/align]

hamza dz 04-20-2009 04:44 PM

رد: عودة السجيـــــن
 
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

نورسة 04-20-2009 10:56 PM

رد: عودة السجيـــــن
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

بيضاء 04-21-2009 03:39 PM

رد: عودة السجيـــــن
 
http://www.hanaenet.com/vb/imgcache/14633.imgcache

الحواط 04-25-2009 12:00 AM

رد: عودة السجيـــــن
 
الاخ برادة

مشكور على الاهتمام الدائم

والتتبع المشجع والحرص

الهادف .

الحواط 04-25-2009 12:03 AM

رد: عودة السجيـــــن
 
الاخ سفير السلام

تعودنا إطلالاتكم المشجعة

وألفنا عباراتكم المؤازرة

لكم شكري وتحيتي

الحواط 04-25-2009 12:05 AM

رد: عودة السجيـــــن
 
الاخت نورسة

مشكورة على الزيارات المشجعة

مقدرة على الاهتمام والارتسامات

لك تبجيلي وتحيتي

الحواط 04-25-2009 12:14 AM

رد: عودة السجيـــــن
 
الاخت نورسة

موفقة ومقدرة على لباقتك

ودماثة خلقك وجميل ارتساماتك

الحواط 04-25-2009 12:17 AM

رد: عودة السجيـــــن
 
الاخت بيضاء

غمرتني بجميل خصالك

واحطتني بوافر اهتمامك

لك تبجيلي وتحيتي


الساعة الآن 07:54 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع الحقوق محفوظة لموقع القلم الذهبي

اختصار الروابط

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 13 14 15 16 17 18 19 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 42 43 44 45 46 47 48 56 58 63 65 66 69 70 76 77 84 85 86 88 91 95 104 106 111 112 118 119 120 122 123 124 128 137 138 139 141 143